لقاء مع المحامية فدوى البرغوثي أجرى الحوار : نهاد الطويل - نابلس
فدوى البرغوثي: مشاركة المرأة الفلسطينية في الحياة السياسية
لا تزال في بداياتها رغم التضحيات التي قدمتها على مدار التاريخ الفلسطيني

أكثر من ثلاث ساعات سرقتها منا الحواجز العسكرية الإسرائيلية المحيطة بمدينة رام الله، لكنها لم تمنعنا من إنجاز حوارنا مع شخصية فلسطينية لها ما لها من تجربة نضالية، ومسيرة حياتية يشهد لها الجميع، وذلك حول موضوع"المرأة الفلسطينية والحكم المحلي".
السيدة والمحامية فدوى البرغوثي، وزوجة النائب الأسير مروان البرغوثي،المعتقل في السجون الإسرائيلية، حاصلة على درجة الماجستير في القانون عام 2003 من جامعة القدس، كما حصلت على شهادة البكالوريوس في القانون من جامعة بيروت عام 1997. وتعمل حاليا كمحامية في مكتبها الخاص. وهي عضو في المنتدى العربي الدولي للمرأة كما أنها عضو مكتب تنفيذي لاتحاد لجان المرأة للعمل الاجتماعي، وهي واحدة من السيدات اللواتي تم انتخابهن في بلدية مدينة رام الله، وتحمل مسؤولية الملف القانوني في البلدية.
فقد برزت البرغوثي بوصفها واحدة من أكثر الأصوات المدافعة عن حقوق المرأة في فلسطين، ونادت بتمكينها على مر السنين، فبين نضالها من أجل إطلاق سراح زوجها المعتقل لدى الإحتلال الإسرائلي، وبين واجبها الوطني،كانت ولا زالت فدوى حاضرة في الشارع الفلسطيني، التقينا بها وقد أجابت على أسئلتنا التي وجهناها لها خلال مقابلة متعددة الأبعاد في زيارة خاطفة إلى مكتبها في مدينة رام الله، فلاقتنا بقلب وعقل مفتوحين.
قانون الانتخابات والتعديل المصادق عليه ..
بدأت السيدة فدوى حديثها، عن التضحيات التي قدمتها المرأة الفلسطينية، حيث كان لها باع طويل في النضال، ووقفت إلى جانب زوجها في كل أزماته، ومحنه، وتابعت البرغوثي: ولكوننا جزءاً من الوضع العربي الذي لا يعطي المرأة حقها بشكل تلقائي فإن تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية رقم (5) لسنة 1995، و القاضي بتخصيص مقاعد مضمونة للمرأة بواقع 20% من عضوية المجالس للمحلية،كان مهماً، وعلامة فارقة في تاريخ مشاركة المرأة في انتخابات المجالس المحلية، وهذه المشاركة غير مسبوقة كما قالت البرغوثي: حتى العام (2005)في انتخابات المرحلة الأولى، فقد كانت المرأة متواجدة وبشكل مكثف وكبير في المجالس المحلية.
واعتبرت البرغوثي،هذا القانون وهذه المشاركة، بأنهما يشكلان منعطفاً ديمقراطياً ومكسباً حقيقياً للحركة النسوية في فلسطين، فقد أعطى المرأة فضاء كبيرا، وحيزا في مواقع الاحتكاك، في المجتمع الفلسطيني، وعندها باتت مشاركة حقيقية في بناء المجتمع ومشاركة في صنع القرار على مستوى المجالس المحلية، والبلدية أيضا
مشاركة المرأة بين الإشراك الحقيقي والتجميلي ..
تتفق البرغوثي، مع وجهة النظر القائلة :"أن المشاركة السياسية للمرأة الفلسطينية تتراوح بين الإشراك الحقيقي والإشراك ألتجميلي" فعلى الرغم من إقرار "الكوتا" النسائية،ووجود ثلاث نساء في كل تجمع بلدي، بينما مازال حضور المرأة في المواقع السياسية الأعلى، كما في التشريعي، والأحزاب،حضورا تجميلياً، وقد تأثرت المرأة بهذه الوضعية، وبهذا التهميش السياسي، الذي يمارس عليها داخل الأحزاب، كما تضيف البرغوثي. الأمر الذي جعل النساء يتراجعن عن الانخراط في الأحزاب خلال السنوات الأخيرة.
ومع أن هناك رغبة لدى عدد كبير من النساء في خوض تجربة ممارسة سياسية، إلا أن هناك حالة من الشعور بالإحباط، وخيبة الأمل، من طريقة تعامل الأحزاب السياسية مع قضاياها، ووضعيتها، ونشاطها داخل هذه الأحزاب.وهو مؤشر يزيد من مصداقية القول" مشاركة المرأة بين الإشراك الحقيقي والتجميلي"كما قالت.
معيقات في الطريق ..
تزيد السيدة فدوى البرغوثي، أنه وما من شك فيه أن هناك معيقات، وحوائط صد تقف أمام مشاركة المرأة الفلسطينية والعربية، في الحكم المحلي، وقد قسمتها البرغوثي إلى معيقات داخلية، وأخرى خارجية،وتتمثل المعيقات الخارجية وهي بطبيعة موجودة على الأرض ويمثلها الاحتلال الإسرائيلي، من خلال الحواجز التي ينصبها، وتعيق تحرك المواطنين بما فيهم النساء، ناهيك عن الممارسات القمعية وتدمير البنية التحتية للجمعيات والمؤسسات التي تهتم بقضايا المرأة.
بينما تظهر المعيقات الداخلية جلية، وكثيرة تتمثل بنقص البرامج النسوية في أروقة المجالس المحلية، وهو ما زاد من ضعف المرأة، و(شل) عملها وصلاحياتها. ومن بين المعيقات أيضا تضيف البرغوثي، عدم مشاركة المرأة في الأحزاب السياسية كما ذكر سابقا، وهذا يعطي مؤشرا مفاده عدم إعطاء هذه الأحزاب اهتماما ببرامج المرأة وتطلعاتها للوصول إلى مشاركة حقيقية في الحكم المحلي ومراكز صنع القرار.
وفي هذا السياق، ألقت البرغوثي الكرة في ملعب المنظمات النسوية والجمعيات التي ترفع شعارات تمكين المرأة، حيث تعاني هذه الجمعيات والمنظمات هي الأخرى ضعفا،وليس لديها أجندة نسويه، خاصة بالمرأة، لا سيما عندما تشارك في الاجتماعات التي تعقدها الهيئات والمجالس المحلية، وهذا بحد ذاته عائق آخر يقف أمام مشاركة المرأة في الحكم المحلي!!
وتزيد البرغوثي، إن المشاركة السياسية ليست بهذه البساطة والسهولة، ففي ظل الثقافة السائدة التي قسمت العمل على أساس الجنس، تبدو المشاركة السياسية صعبة ومعقدة، إن وضع مشاركة المرأة في الحياة السياسية في فلسطين، لا يزال في بداياته على الرغم من حجم التضحيات التي قدمتها المرأة الفلسطينية على مدار التاريخ الفلسطيني. ويجيء ضعف الأحزاب العربية كما تقول البرغوثي عائقا كبيرا أمام المرأة في البلدان العربية.
إذن ما الحل ..
وتعتقد البرغوثي، أن وجودنا ( نساء فلسطين) في "كوتا" انتخابية واحدة قد يوحدنا ويجمع الجهود النسوية المشتتة، كما أن على الأحزاب الفلسطينية أن تضع المرأة على أجندتها، لتسهيل مهمتها للوصول إلى المجالس والهيئات المحلية، ففي النهاية كما تقول البرغوثي: "العمل في هذه المجالس يتخذ طابعا خدماتيا، أكثر منه سياسياً"
تجربة المرأة في الحكم المحلي عبر نهج التعيين
ترى البرغوثي أن سياسة التعيين التي كانت متبعة في الماضي، وبالتحديد في العام 1998، حيث كانت تقضي بتعيين امرأة واحدة على الأقل في جميع المجالس والهيئات المحلية، ترى أنها كانت خطوة على الطريق الصحيح في زيادة مشاركة المرأة في الحكم المحلي، وهو ما أعطى صورة للمجتمع الفلسطيني مفادها أن المرأة تستطيع أن تشارك وتبني وتتحمل المسؤولية، لكن هذه السياسة عانت من كونها غير ملزمة، لذلك تم التعامل معه (التعيين) بمزاجية مطلقة، وكاملة، ولم تلتزم فيه أعداد كثيرة من الهيئات المحلية ولم تعره أي اهتمام، وفي المقابل هناك أٌقلية من المجالس قامت بالاستجابة، ولكن على مضض، وكنتيجة لهذا القرار تم تعين ما يقارب 68 سيدة، من أصل 3736 عضوا معينا أي بما لا يتجاوز 1.9%.
وبدو أن فرحة الحركة النسوية بشكل عام، والنساء اللواتي وقع عليهن الاختيار بشكل خاص، لم تكتمل حيث كن على موعد من تقديم الاستقالة، بسبب ما وصفته البرغوثي بطريقة التعامل السلبية معهن، حيث تراوحت بين التغييب والإعاقة، بسبب موقف سلبي اتجاه المرأة ومشاركتها، وأحيانا لعدم معرفة العضوات أنفسهن بطبيعة ما هو مطلوب منهن للقيام بتكليفات والتي لا علاقة لها سوى بمهام تمثيلية احتفالية!!؟ على حد وصفها. وقدرت البرغوثي عدد النساء اللواتي قدمن استقالتهن في وقت مبكر من التعيين بتسعة نساء على الأقل.
فتجربة النساء التي تحدثت عنها البرغوثي في الفقرة السابقة، تشير إلى أن تغيير ما حدث في نظرة المجتمع الفلسطيني، لمشاركة المرأة، حيث تفاعل معها بإيجابية، مقارنة بموقف الزملاء العاملين معهن في المجالس المحلية، فالمجتمع كما تضيف البرغوثي، وبشكل عام يحتاج من الهيئات المحلية خدمات أفضل على كافة المستويات، ولا يهمه إذا كانت هذه الخدمات يقدمها أعضاء، أو عضوات إذا ما وصلن لتلك المجالس.
تفاوت في أدوار الرجال ...
وعما إذا كان الدور الذي يمارسه الرجال معيقا أم مشجعا، تؤكد أن هذا الدور كان متفاوتا، ففي التجمعات السكانية يمكن أن يكون هناك تقبل أكثر منه في المجتمعات الريفية والتقليدية، والعشائرية، وتتابع البرغوثي حديثها في هذا السياق من خلال تجربتها الشخصية حيث انتخبت كعضوة في بلدية رام الله، و ترى أن المسألة تعتمد على ذاتية المرأة، وقدرتها على إثبات نفسها، فالرجل في النهاية لا يستطيع أن يقف عائقا، أمامها إذا أثبتت ذاتها.
الدور السياسي ما زال في بداياته وما تحقق ليس مرضيا ...
حتى هذه اللحظة ترى البرغوثي أن وضع المرأة الفلسطينية، وأداءها السياسي ليس مرضيا ولا يتناسب مع حجم تضحياتها، ونضالها، فما تزال المشاركة السياسية للمرأة رمزية، وسطحية، وتحدثت عن واقع المرأة في واقع السلطة الوطنية الفلسطينية، حيث أن مشاركة المرأة لم تتعدَ سوى مراحل رمزية، وإنها لم تصل إلى مراكز قيادية، لتصبح بذلك صانعة قرار.
وقد أوصت البرغوثي في هذا السياق ببعض المقترحات لتعزيز المشاركة السياسية للمرأة حيث ذكرت منها: التكامل بدلا من التنافس، توحيد كافة الجهود النسوية بين الأطر النسوية، لفتح المجال لوجود المرأة وبشكل مستقل وأساسي، ونصحت أيضا بنظام "الكوتا" النسابة كخطوة أولى لإقامة حق المرأة، وناشدت البرغوثي الإعلام ليبقى حاضرا في دعم قضايا المرأة، بجوار الجهود التي تقوم بها المرأة في المجتمع الفلسطيني.
"الكوتا" النسائية.. مكسب آخر
لم تكن السيد فدوى البرغوثي لتتحدث عن المرأة الفلسطينية والحكم المحلي بعيدا عن"الكوتا" النسائية، فقد كانت"الكوتا" بمثابة الانعطافة المهمة في زيادة مشاركة المرأة في الحياة الفلسطينية، وتحديدا أكثر في الترشح للانتخابات، فهي كما تقول البرغوثي :ساعدت وشجعت النساء على الترشح لعضوية الهيئات المحلية،حيث تقدمت 51 امرأة في أكثر من 26 مجلساً محلياً في الضفة الغربية، قبيل صدور إقرار "الكوتا" ،وفور إعلانه ارتفع الرقم إلى 150 مرشحة.
الانتخابات.. إضاءات جديدة في حياة المرأة الفلسطينية
ترى فدوى البرغوثي أن إنجاز المرحلة الأولى من الانتخابات المحلية، أضاءت جوانب عديدة في مسيرة المرأة الفلسطينية بشكل خاص، والحياة الفلسطينية بشكل عام، فبهذه المرحلة استطاعت المرأة أن تكون مشاركة حقيقية في المعركة الوطنية، فأصبحت بذلك طرفا أساسيا في عملية التغيير، وتابعت بالقول: "لقد كان إنجاز المرحلة بمثابة فرصة ضرورية ومهمة، ومؤشر إيجابي لتحقيق نتائج مستقبلية إيجابية على صعيد الحقوق النسوية :"ومما لا شك فيه أن هذه النتائج الطيبة ستلقي بظلالها على المراحل اللاحقة، لتثبيت حقها أولا، ولدفع المجتمع، وتعويده لرؤية المرأة في مواقع صنع القرار ثانيا.
رغم الانكسارات ..نساء فلسطين متفائلات ومنجزات..
تحدثت البرغوثي في هذا السياق، وبألم ممزوج بأمل، حيث قالت :"لقد كانت السنين الخالية سنين قاسية على الشعب الفلسطيني، فقد تواصل العدوان الإسرائيلي، بكل أبعاده القاسية، من قتل للأطفال والنساء وتقطيع أوصال الوطن، وتدمير البنية التحتية، فتواجدت المشاكل في كل بيت فلسطيني، وتحولت لمشاكل خاصة بالمرأة الفلسطينية" . لكن هذا الوضع كما تزيد البرغوثي لم يمنع النساء الفلسطينيات من الإنجاز وإثبات الذات، فكانت قادرة على انتزاع حقوقها، وتتابع البرغوثي أن حصاد السنوات الماضية بالنسبة للحركة النسوية الفلسطينية كانت كبيرة مقارنة بالأعوام السابقة، فاستطاعت أن تنتزع قانون تمثيل المرأة ضمن حصة نسوية "الكوتا" في انتخابات المجالس المحلية والبلدية، وحتى المجلس التشريعي، وفعلا فازت المرأة في المجالس المحلية، وحصلت على ما نسبته 17%،في إحدى المناطق، وهو مؤشر نقف عليه طويلا، ونأمل أن تستثمره بشكل أفضل في المستقبل،كما قالت.
تطلعات بحجم التضحيات.. وآفاق نحو المستقبل
وحول تطلعات المرأة الفلسطينية تحدثت البرغوثي، متفائلة بالمستقبل القادم بالنسبة للنساء في فلسطين فقد بات المجتمع يراهن على المرأة كثيرا، لا سيما بعد النجاحات التي حققتها المرأة، حيث أكدت أنها تطمح في أن تساهم المنظمات النسوية الفلسطينية، وكافة الأحزاب الفلسطينية، والمؤسسات الحكومية في دعم قضايا المرأة، وإلحاق المرأة في مشاريع تنموية خاصة بالمرأة، وتأهيل الكادر المرأة، وإشراكها في العملية التنموية، كما أن إيجاد كوادر نسوية وتدريبها من أجل القيام بمهمتها على أكمل وجهة في المجالس المحلية، وتدريبها من أجل تمكينها في الحياة السياسية، وإبراز دور عضوات المجالس المحلية في كافة المجالات وإعطائهن الفرصة وإيجاد التمويل من أجل دعم النساء في مراكز صناعة القرار.
كلمة أخيرة..
وفي نهاية اللقاء، توجهت البرغوثي للمرأة الفلسطينية، وقد حيت فيها نضالها وصمودها، حيث ما زالت تحقق إنجازات كبيرة رغم حجم الدمار الذي يحيط بها، وتعتقد أن على المرأة أن تثق بنفسها، وبقدرتها على إحداث التغير في المجتمع الفلسطيني، فالمجتمع الفلسطيني كما ترى البرغوثي يحترم المرأة ما دامت تعمل ضمن الأعراف والتقاليد المتعارف عليها، وتتابع البرغوثي: "يجب على المجتمع أن يعامل المرأة بثقة، واحترام، ومنحها فرصتها، وكما يجب عليها أن تنتزع فرصتها، ولا تنتظر أحدا ليعطيها هذه الفرصة.

فدوى البرغوثي تتحدث للكاتب نهاد الطويل في مكتبها