عقوق الأبناء للآباء بقلم : أمال الهلالي - تونس
عقوق الأبناء للآباء .. من المناوشات الخفيفة إلى القتل
تلك الأم التي حملته في بطنها تسعة أشهر وأرضعته من حليب ثدييها ليكبر وينمو ويترعرع، وذلك الأب الشقي الذي ظل لسنوات يكدح لتأمين كل ما يحتاجه ابنه حتى يشتد ساعده ويكبر، ويا ليته لم يكبر، فلما اشتد ساعده رمى والداه وراء ظهره ونسي سنوات التضحية.
هم آباء وأمهات، تقدم بهم قطار العمر واعوجت ظهورهم وتجعدت وجوههم وابيضت رؤوسهم في سبيل تربية فلذات أكبادهم وعوض أن يكافأوا بالحسنى في كبرهم ويجدوا في خلفهم سندا وظهرا وأمانا، لم يحصدوا غير الجحود ونكران الجميل، والأمرّ من كل ذلك الضرب والشتم والإهانة. أمّا شق آخر فوجد مكانه تحت الثرا بعد أن انتهت حياته على يد فلذة كبده المصون.
ظاهرة عقوق الوالدين ليست بالجديدة أي نعم، ولكن الجديد والمثير هو ارتفاع عددها سنة بعد سنة وتطورها الخطير، فخلال السنة القضائية المنصرمة نظرت المحاكم التونسية في ما لا يقل عن 96 قضية عقوق مع العلم أن هذا العدد يشمل فقط ( منطقة تونس الكبرى دون غيرها ). وقد كثر الحديث عن استهداف الأولياء من طرف الأبناء ذكورا كانوا أم إناثا الأمر الذي دفع بالقضاة في تونس إلى اعتماد الصرامة والشدة في تطبيق القانون فيما يتعلق بقضايا العقوق.
في رواق المحكمة بالعاصمة وجدناها جاثمة وقد ملأ وجهها غبار السنين. هي عجوز تجاوزت العقد السادس من العمر أخذت تندب حظها العاثر على سنون راحت في تربية ابن عاق كافأ والدته بالشتم والإهانة والضرب. فما كان منها سوى تقديم شكاية في الغرض. تقول محدثتي:"لقد مللت من إهاناته المتكررة لي، لقد توفي والده وهو مازال في اللفة لم يتجاوز السنتين تعبت في تربيته وتحملت من أجله كل المهانة والذل، اشتغلت في البيوت طلبا للقمة العيش التي أسبّقها لفمه قبل فاي وكان حلمي أن يكبر ولدي ويأخذ عني المشعل لأرتاح من الشقاء ويكون لي سندا وأمانا، لكني كنت واهمة وأحرث في البحر ولم أجني منه غير الجحود لذلك لن أسقط حقي في القضية ولن أنتظر حتى تنتهي حياتي على يديه في لحظة سكر جنونية ولتكن جدران السجن وظلمتها حضنه وغطاه وإذا فشلت في تربيته فلتربيه الزنزانة ".
بهذه الكلمات الخالية من مشاعر الأمومة والتي تنبع من قلب ينزف دما وأحاسيس فقدت وضاعت مع ضياع الابن العاق تنهي السيدة عائشة حديثها معنا.
هذه الحالة ليست سوى نموذج لحالات متكررة لمشاهد يومية مؤلمة بدأت باختلاف وجهات النظر والمناوشات الخفيفة بين الأولياء والأبناء لتصل في أقصاها إلى جرائم القتل, وكثيرة هي القضايا التي تتناقلها الجرائد اليومية عن قضايا وجرائم عقوق دون اعتبار الممارسات الغير معلنة والتي فضّل أصحابها التكتم والصمت إما بدافع الحب الغريزي أو الخوف من ردة فعل أبنائهم.
وقد نشرت جريدة "الشروق" التونسية عدة قضايا من هذا النوع :"فهذا ابن عاق وبدافع الحصول على نصيبه في المركب السياحي الذي تمتلكه والدته سولت له نفسه في لحظة شيطانية قتل والدته بطريقة بشعة بجهة "سكرة" بالعاصمة حيث عمد إلى طعنها إحدى عشر طعنة في مناطق متفرقة من الجسد وبرّر الجاني فعلته بأنه كان في حالة غضب هستيرية، وقد أودع إلى السجن بعد أن أكد الطب الشرعي خلوه من أي اختلال عقلي.
قضية أخرى لا تقل فظاعة عن سابقتها حيث تم العثور على شيخ طاعن في السن جثة هامدة وقد تعرض للخنق والطعن بواسطة آلة حادة كما بينت الأبحاث أن مجهولين عمدوا إلى سرقة مبلغ 19 ألف دولار من المصنع الذي كان المغدور يشتغل حارسا ليليا فيه ونجح أعوان الأمن في الكشف عن ملابسات الجريمة وأزيح النقاب عن هوية القاتل الذي لم يكن سوى ابنه الذي دبر وخطط لهذه العملية بصحبة صديقين له وقد برر فعلته بدافع الحصول على المال قصد السفر لأوروبا.
كما لقيت امرأة مسنة مصرعها على يد ابنها الكهل المتزوج و برّر جريمته النكراء كونه ملّ معاناته اليومية بسب الخلافات الناشبة بين زوجته وأمه، وأنه يوم الحادثة نظف غرفة أمه وملابسها لكنها عاودت التغوّط على نفسها عندها ثارت ثائرته وقام برميها أرضا فماتت على الفور. والغريب في الأمر أن السلطات الأمنية وجدت جثة الهالكة وقد تمدد ابنها بجانبها من هول الصدمة مدة يومين قبل أن يفتضح أمره من قبل الجيران.
لمعرفة رأي القانون في مسألة قضايا العقوق التقينا بالأستاذ" معز بوراس" المحامي في مكتبه وسط العاصمة ومن الصدف أنّ وجدناه منهمكا في تفاصيل قضية عقوق كانت المحكمة قد أصدرت حكمها فيها.
يقول الأستاذ معز" موكلتي في هذه القضية امرأة تجاوزت عتبة السبعين وقد راحت ضحية اعتداء من ابنها الكهل الذي ضربها وركلها واعتدى عليها لفظيا للمرة الثانية على التوالي, وكانت قد أسقطت حقها في المرة الأولى لكن الابن العاق لم يعتبر ولم يقدر وعاود فعلته مرة ثانية فتمسكت الأخيرة بموقفها في تتبعه عدليا ماضية أشواطا كبرى في القضية وتم الحكم عليه بثلاثة أشهر سجنا وقد اعتبرت موكلتي أن هذه المدة مع الأسف قليلة".
كما اعتبر ذلك الأستاذ معز بالنظر إلى نوعية القضية كونها ليست مجرد اعتداء عادي بل اعتداء الخلف على السلف (ابن على والدته) وبين من ناحية ثانية أنه في الفترة الأخيرة وبالنظر لتفاقم جرائم العقوق فقد قابلها عزوف الآباء عن إسقاط حقوقهم في التتبع مما يعكس رغبة السلف في إيقاع أشد العقوبة بالخلف.
وقد نص القانون التونسي على ضرورة مضاعفة العقوبة في جرائم اعتداء الخلف على السلف مقارنة بجرائم الاعتداء الأخرى وتتراوح مدة العقوبة من 15 يوما إلى خمس سنوات، وفي حال تطور الاعتداء إلى القتل يصل أقصاه إلى الإعدام. وعموما لقد تطورت المحاكم التونسية واجتهد القضاة في مثل هذه القضايا، فبعد أن كانت عقوبة العقوق تشمل فقط جريمة الاعتداء ( الخلف على السلف) أضيفت لها جريمة أخرى هي الاعتداء على الأخلاق الحميدة في صورة الاعتداء بالشتم والكلام البذيء، وهذا الأمر يضمن معاقبة الخلف بتهمة الاعتداء على الحق العام حتى ولو أسقط السلف حقه عن التتبع فلن يفلت المتهم من عقوبة الاعتداء على الأخلاق الحميدة.
للوقوف عن الجوانب النفسية المحركة لهذه الظاهرة التقينا بالدكتور "منذر جعفر" الأخصائي النفسي وقد أكد أن ظاهرة العنف اللفظي والجسدي ظاهرة موروثة وطريقة تخاطب معتمدة من العائلة وبالتالي ينشأ الطفل وفي داخله عدوانية للآخر يمكن أن تتطور في حال وجود الأرضية الملائمة لها، أي غياب الرقابة من الأب والأم وغياب الاستقرار الأسري خاصة إذا حضرت الخلافات بين الزوج والزوجة على مرأى ومسمع من هذا الطفل، وقد تتطور في حالة الطلاق الذي يؤثر سلبا على نفسية الأبناء الذين يكبرون وتكبر معهم تلك النزعة العدوانية في ظل غياب الحنان والعطف والحماية التي افتقدت في هذا العصر مع دخول المرأة ميدان العمل، بالتالي يقضي الإبن مجمل وقته إمّا في الحضانة المدرسية أو مع الخادمة التي هي عادة فتاة ريفية غير قادرة على تأطيره وتأمين إحتياجاته النفسية التي من المفروض أن تقدمها والدته ووالده. هذا بالإضافة إلى تأثير المحيط الخارجي وأصدقاء السوء".
من جهة أخرى لقد نصت كل الأديان السماوية وخاصة ديننا الإسلامي الحنيف على مراعاة الوالدين والإحسان لهما خاصة في الكبر. وقد قال عزّ وجل في كتابه العزيز: "وقضى ربّك ألاّ تعبدوا إلاّ إياه وبالوالدين إحسانا ".صدق الله العظيم.