كذب المنجمون ولو صدقوا بقلم : إسلام مصباح
كذب المنجمون ولو صدقوا
أحيانا يدعي بعض الأشخاص أن لهم قدرات غريبة وغير مبررة، تدفعهم لمعرفة مصير الأشخاص أو الأحداث، وأغلب هؤلاء الأشخاص يمارسون النصب بطرق وأساليب مختلفة، لأنهم لا يملكون أي قدرة على معرفة الغيب أو الحوادث المستقبلية، وتشير الإحصائيات أن واحدا من كل خمسة أشخاص في إيطاليا يذهب إلى عرافة أو مشعوذ مرة واحدة على الأقل كل عام، وفي فرنسا هناك 30 ألف مشعوذ محترف، ويصرف 3 مليارات يورو على أمور الدجل والعرافة، كما أن المصريين يدفعون ما يقرب من 10 مليارات جنيه سنويا لتجار النصب والشعوذة ومدعي القدرات الخارقة.
والإنسان بطبعه يميل إلى الفضول ومعرفة جزء من المستقبل المجهول، فإن بعض الأفراد يلجأون إلى هؤلاء المشعوذين ومدعي القدرات الخارقة لعل أحدهم يعرفهم بمستقبل الأيام أو بمصيرهم ومصير أحبائهم، وهؤلاء المشعوذون لهم قدرات خاصة في الإيحاء والتلاعب بمشاعر وأحاسيس الناس فضلا على الاستعداد النفسي عند بعض الناس لسماع تلك الخرافات والاعتقاد فيها.
وقبل أن نتحدث أكثر عن الكهانة والعرافة، فإننا نضع هذا الحديث لسيد الخلق أولا ليعرف الجميع أن هذه الأمور محرمة دينيا إسلاميا، كما نهت الديانة المسيحية وكل الأديان السماوية عن الاعتقاد بأن مخلوق يمكنه معرفة الغيب، وقد ثبت علميا أيضا أنها محض خزعبلات وشعوذة لا تنفع ولكنها بالتأكيد تضر.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( من أتى كاهناً فصدقه بما قال فقد كفر بما أنزل على محمد )
الشعوذة والدجل في مصر
المرأة في مصر متهمة دائما باللجوء إلى المشعوذين بصفة مستمرة لحل مشكلاتها المزمنة، العقم أو العنوسة أو بدافع الحسد والحقد على إحدى الجارات أو القريبات، أو الحصول على الجاه والمال والنصيب الأكبر في الحياة.
وفي مصر دائما نشعل البخور وعين العفريت والفاسوخه في يوم الجمعة لطرد الأرواح الشريرة، وفي حالات الحسد تأتي المرأة بعروس ورقية وتقوم بتعذيبها قبل أن تلقى بها في النار، أو يتم عمل حجاب ووضعه تحت رأس الزوج (المسكين)، وفي حالات أخرى يتم وضعه في مفترق ثلاث طرق.
أما عن الرجال فهم في حاجة مستمرة إلى الدجالين لفك الربط وعلاج العقم وجلب مزيد من الرزق.
ومن أشهر حوادث الشعوذة التي تناولها القضاء المصري، حدث في العام 1980 أن ظهر رجل يدعى أبو كف، ودأب هذا الرجل طوال فترة طويلة على استقبال المرضى المصابين بأمراض الشلل والعقم والصرع وغيرها من الأمراض، وفي بعض الأحيان كان تشفى بعض الحالات المستعصية، وقبضت عليه النيابة وبدأ يحكي قصة خرافية عن الحاجة القادمة من عالم الجن لتشفى مرضى المسلمين، وإنه متزوج من ابنتها وله منها أبناء (جن بالطبع)، وإن الحاجة شفته من إصابته بالشلل، ولهذا دأب على تقديم هذه الخدمة لغيره من بنى البشر المساكين، الذين لم يستطع العلم علاج حالتهم المستعصية!..
والعجيب أن المحكمة أعطت البراءة لأبو كف، لأنه ادعى أنه مسير وليس مخير، أي أن الحاجة تجبره على القيام بهذه الخدمة وإلا لأصابته بمصيبة لا يبرأ منها أبدا!
وقد كشفت دراسة أجرتها د. سامية الساعاتي أستاذة علم الاجتماع في جامعة عين شمس أن 55% من النساء المترددات على الدجالين متعلمات، و 24% يجدن القراءة والكتابة!.
وفي العالم العربي.
تخصص الصحف العربية في بعض بلدان المغرب العربي حيزا كبيرا لنشر إعلانات المنجمين والعرافين الذين يدعون قدرتهم على معرفة الطالع ومعالجة الأمراض المستعصية، وهناك إذاعات تخصصت في استضافة المنجمين لساعات وذلك للحصول على متابعة أكثر وفقرات إعلانية أضخم، مثلما يحدث في برامج تفسير الأحلام.
وقد اعتاد التونسيون على شراء حرباء حيه لقتلها وتعليقها على مداخل البيوت والغرف اعتقادا منهم إنها تذهب الحسد( مثل الخرزة الزرقاء )، وقد انفردت تونس بالسماح للعرافين للعمل بصورة قانونية، فسمحت لهم بالحصول على التراخيص لمزاولة المهنة، واستعمال وسائل الدعاية والاعلان، وأدى ذلك إلى تحول تونس إلى قبلة لعدد كبير من العرافين والسحرة والمشعوذين.
ومن أشهر المنجمات التونسيات (الحاجة حبيبة)، التي كانت تحظى بالثقة لدى الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، وقد ذكرها ميتران في يومياته، وتمتلك الحاجة مكتبا في تونس وآخر في باريس.
وفي عمان ( الأردن)، وصلت شهرة أم صبحي إلى الآفاق، فالبعض يستأجرونها لإيذاء الخصوم أو يقدمون لها الهدايا كي يأمنوا شرها، وأم صبحي هذه مثال صريح للكارثة التي تمشي على قدمين، لا تدخل منزلا إلا أصابته النكبات والأزمات، والتفسير أن لها نظرة خارقة تستطيع أن تحطم أي شيء.
ونجد الكثير من هذه الأمثلة لدى كل البلدان العربية، فمنهم من يتخذ من الدين ستارا فيدعى أنه معالج بالقرآن، أو أنه معالج روحاني، فعندما تذهب إليه يبدأ من اللحظة الأولى بفرض سيطرته عليك بنظراته وادعائه بقدرات غريبة وارتباطه بالجن وينسب إلى نفسه قدرات وحكايات وهمية، وعندما يتمكن منك وتخضع لإيحائه بالكامل، يبدأ في طلب طلبات غريبة ثم عرف ديك لبني، أو بيضة نملة وأشياء من هذا القبيل، وبالطبع يطلب أتعابا مضاعفة، وهو يتفق في عمله مع الساحر والمشعوذ وكلهم وجوه لعملة واحدة اسمها الهراء.
ومن يلجأ لمثل هؤلاء الدجالين يكون بالفعل في مصيبة كبيرة ولا يجد لها حلا، أي أنه يدخل وهو مهيأ نفسيا لأن يخدعه الدجال، وعندما يمنيه الدجال بقرب الفرج أو حل المشكلة، فإنه يفعل أي شيء من أجل الأمل الواهي.
وفي بعض الأحيان قد يصيب المنجم في بعض كلامه، إذا بناه على قواعد وأسس سليمة ومنطقية، فمثلا إذا ذهبت إلى دجال وأخبرته أن اسمى محمد، فلا يحتاج الأمر إلى كثير من الذكاء ليعرف أنني مسلم وذكر وفي الثلاثين من عمري مثلا، ولو رأى دبلة الزواج في يدي سيعرف على الفور أنني أعاني من مشكلة عقم أو مشكلة جنسية، وإذا اصطحبت معي سيدة شابة فهذا يعني أن المشكلة تتعلق بالسيدة وأنها زوجتي، فقط المنجم يستخدم ذكاءه وكلامه المعسول وقوة ملاحظته، ثم يضفي على هذه الأمور المنطقية هالة من القدرات الخارقة.
نوستراداموس
يقف اسم ميشل النوتردامي أو نوستراداموس كواحد من أشهر المنجمين في التاريخ، عمل كطبيب في بداية حياته وساعد في مقاومة وباء الطاعون في جنوب فرنسا، ويقال أنه تنبأ بولاية هنري الرابع لعرش فرنسا، وبالحربين العالميتين، وبمولد هتلر ونهايته المجهولة، بل إنه ذكره باسم هسلر، واحتلال اسرائيل لأرض فلسطين ومن بعدها هضبة الجولان وسيناء، وحرب التحرير التي خاضتها مصر، وبحرب الخليج الأولى والثانية، وأحداث 11 سبتمبر.
كتب كتاب القرون أو النبوءات Les Propheties، وهي على شكل سداسيات شعرية بمصطلحات من لغات مختلفة مثل اللاتينية والإيطالية والفرنسية لكي لا تكون سهلة القراءة على العامة، وكتابا آخر يدعي التكهنات La Prognostications، وقد ساعدته الملكة الفرنسية كاترين وصدقت نبوءاته، وسبب شهرته في العصر الحديث أنه تنبأ بهزيمة هتلر في الحرب العالمية الثانية، وقد عرف هذا هتلر والحلفاء أيضا، فحاول هتلر أن يتحايل على النبوءة عن طريق منجمين آخرين، والعجيب أن أشهر متنبئ في التاريخ لم يستطيع أن ينقذ زوجته وولديه من الموت بسبب الطاعون!.
وتنبأ نوستراداموس أيضا بالثورة الفرنسية و إعدام الملك لويس السادس عشر ووصف رجلا يولد بالقرب من إيطاليا (نابليون بونابرت) ويصعد من جندي بسيط إلى امبراطور، ويعود جيشه الفرنسي المهزوم شراذم من روسيا، بينما تحترق هناك مدينة كبيرة بأسرها (موسكو).
وتنبأ لفرنسا بفوز الوردة الحمراء أي الزعيم الاشتراكي فرانسوا ميتران الذي كان شعار حزبه وردة حمراء.
وفي الشرق الأوسط، تنبأ بسقوط حاكم بواسطة رجل دين وبأن خصوم الحاكم سيحضرون للثورة من فرنسا وهذه مطابقة مدهشة لما حدث لشاه ايران الذي أطاح به (آية الله الخميني) من منفاه بباريس.
ومن تنبؤاته
قرب الميناء و في مدينتين ستحدث كارثتان ليس لهما مثيل، جوع وطاعون في الداخل، ناس يطرحون خارجا بفعل السيف، سوف يبكون من أجل الحصول على مساعدة من الله العظيم الأبدي .
ويقال أن هذه النبوءة في إلقاء أمريكا للقنبلة الذرية على هيروشيما وناكازاكي، ولكن هذا العراف أخطأ في كثير من تنبؤاته، ويقال أيضا أنه نقلها نقلا من كتاب لاتيني يتناول أمور السحر واللاهوت القديم .
ونلخص كل ما قيل في عبارة ( كذب المنجمون ولو صدقوا) فلو حالفهم التوفيق في بعض الروايات، فسيصيبهم الإخفاق في الجزء الأكبر، لأنهم يدعون في النهاية قدرات خارقة، لم يحظ بها مخلوق، ومن يدعي معرفة الغيب الذي كتبه الله سبحانه وتعالى في علمه، فقد كذب.