الاحتلال و الألم النفسي لأطفال العراق بقلم :إسراء علي البدر - محامية وإعلامية من العراق 

 

الاحتلال و الألم النفسي لأطفال العراق

مما لاشك فيه أن الحروب والاحتلال كان لهما تأثيرا سيئا على الواقع العراقي بأكمله ولكن الأشد تأثرا وألما هي شريحة الأطفال الذين يعتبرون هم بناة المستقبل .

الطفل العراقي اليوم يعاني كثيرا من الألم النفسي والصحي من شدة ما تعرض له من إرهاصات الحرب وما تبعه بعد ذلك من حروب طائفية وعدم استقرار أمني ألقى بظلاله على كل مرافق الحياة في العراق وأجدني هنا وأنا أتكلم عن الطفل العراقي وألمه النفسي أذكر قصة حدثت لطفل عراقي هاجر مع عائلته إلى ألمانيا وفي المدرسة طلبت معلمة الرسم من الطلاب أن يرسموا أي رسم يخطر ببالهم فرسم كل طفل زهرة أو لعبة أو مكان عام ولما أتوا على رسم الطفل العراقي وجدوه قد رسم دبابات وأسلحة وناس ساقطين على الأرض فما كان منهم إلا أن قالوا إن هذا الطفل يحمل فكرا إرهابيا واتصلوا بأهله فقال الأب لاحاجة لإحالة ابني إلى لجنة نفسية لأن الطفل ينقل الوضع الذي كان يعيش فيه وما شاهده وما عاصره في العراق، وهذا الذي يحدث كل يوم  في العراق وابني يرفض ذلك الوضع ولكنه عالق في ذهنه.

إن الحروب والاحتلال تخلق واقعا مؤثرا على النفس البشرية وهذا ما يؤكده المفكر الاجتماعي المصري المعروف سلامة موسى عن الحرب النفسية، لما بعد الحرب التقليدية، بأنها حرب صراع الذات مع الماضي والحاضر والمستقبل، وهي أسوأ أنواع الحروب التي لا يتحملها الإنسان، عقلياً وجسدياً. تلغي تفعيل الإرادة، وتقضي على النمو الطبيعي لدى الإنسان وبشكل خاص لدى الأطفال الذين يواجهون الحياة وسط الحروب أو الصراعات البيئية والاجتماعية والسياسية والنزاعات المحلية. وفي هذا السياق يؤكد علماء علم الاجتماع أن  الحروب ونتائجها تؤثر على نمو الأطفال الطبيعي، ويعتبرون الصراعات الدولية واستعمال أساليب الملاحقة والعنف داخل المجتمع والعائلة بما فيها الملاحقة الفكرية والقهر الاقتصادي للأبوين، لا تشكل ظاهرة خطيرة وحسب، إنما تعتبر من أهم العوامل المؤثرة في عدم النمو الذهني عند الأطفال، وعرقلة مسار تطور المجتمع.

إن القتل والاختطاف على الهوية والتفجيرات الانتحارية وعمليات الإرهاب لا تزال مستمرة، وتستمر في ظلها معاناة العراقيين النفسية والجسدية وخصوصا الأطفال الذين طالتهم عمليات الخطف أو الإصابة أو الذين رأوا مشاهد التفجير المرعبة أمام أعينهم، وتتراوح مأساة الأطفال بين نوبات الصرع والرعشة والتلعثم أو المشي ليلا دون شعور فضلا عن الأحلام المرعبة التي تراودهم باستمرار.

ولا أنسى يوما عندما كنت أعمل إعلامية في إحدى القنوات عندما التقيت بطفل عراقي اسمه محمد المحمدي قتل الأمريكان أبويه في معركة الفلوجة الثانية وكان عمره يومها أقل من ثلاث سنوات كيف تكلم لي عن اقتحام الأمريكان لمدينتهم وكيف أنهم ألقوا بجثث الشهداء في النهر وكيف عمل نفسه ميتا عندما اقتحم الأمريكان منزلهم وقتلوا والديه وأن جثة احدهما سقطت عليه وتخيل الأمريكان أن كل من في المنزل قد قتل، ولما التقيته كان قد مر على الحادثة ما يقارب السنة ولكن كان الطفل يصف الأمور بخوف ورعب، قلت كيف يمكن لهذا الطفل أن ينسى وكيف يمكن أن يعيش كطفل سوي وكيف يعيش طفولة طبيعية؟!!

إن واقع الحرب والاحتلال متداخل في كل مفاصل حياة الطفل في العراق حتى عندما يأتي العيد مثلا ويشتري الأطفال ألعاب العيد تجد الطفل العراقي يتجه إلى شراء ألعاب الرشاشات والدبابات والمسدسات أو حتى ألعاب "البلي شتيشن" يلجأ إلى الألعاب الحربية .

فهل نتوقع بعد ذلك في ظل الإرهاب اليومي أن يعيش الطفل العراقي كطفل سوي بعيدا عن الألم والعقد النفسية؟

في العراق حسب ما ورد على لسان أحد ممثلي الأمم المتحدة، أكثر من مليون طفل عراقي من الأرجح أنهم سيكونون بحاجة إلى علاج نفسي من جراء الصدمة النفسية التي تعرضوا لها خلال الحرب. هذا ما أكده  ( كاريل دي روي )  وعن تخوفه من ردة الفعل لهؤلاء الأطفال العراقيين على مجتمعهم وعلى المجتمعات الأخرى .

وقد أكدت منظمة اليونيسيف في برنامجها الإنساني الخاص بتأهيل الأطفال بأن الطفل العراقي من أشرس ما يمكن أن يمر به الطفل عالمياً، وأن إعادة تأهيله اجتماعياً ترتطم عكسياً بما يراه الطفل أمام عينه ومن مجازر وانفجارات وجثث ودوي القنابل وشظايا ورصاص ودماء وأن ذلك كله ينعكس سلبياً على حياته وسلوكه وقد يؤدي إلى الجنون والتخلف العقلي.

لذا يتعين على وجه السرعة ولتفادي المزيد من الخسائر وإلى كل من يؤمن بالمستقبل ويهتم بحقوق الإنسان وبحق الطفولة في الحياة والسعادة والصحة أن يعمل على درء الصدع في نفس الطفل العراقي والمحاولة الجادة لإيقاف نزيف الدم في بلاد الرافدين لكي ننقذ ما يمكن إنقاذه من الطفولة العراقية جسديا ونفسيا.

 

مجلة حطة © كل الحقوق محفوظة

الرجاء ذكر اسم المجلة واسم الكاتب في حالة نقل هذا المقال