شتت شعبه و وحد العرب في القاهرة بقلم : أسماء كوار
عمر البشير .. شتت شعبه و وحد العرب في القاهرة
ما كنت أكتب هذه السطور لأقول ما سأقوله لو لم يحز في نفسي ما أراه ويراه كل عربي من خزعبلات ومهاترات من الحكام العرب إزاء القضايا الحاسمة والمصيرية، والتي لا يعيرونها اهتماما إلا إذا وقع الفأس على الرأس.
وماكنت لأكتب هذه السطور وأنا أرى كباقي الأمة العربية تسارع الحكام العرب ووزراء خارجيتهم باتجاه القاهرة لينظروا في قضية الرئيس السوداني المطلوب من قبل المحكمة الدولية جراء ما ارتكبه من جرائم في دارفور وفي السودان.
هذا البلد المترامي الأطراف على ضفاف إفريقيا والنائم على أرض صحراوية تعاني الفقر وتتوق لأن ترتوي مما يختبئ تحتها من بحر من الذهب الأسود، أصبح رأس رئيسها مطلوبا من قبل أمريكا وحلفائها. وطبعا أدرك هؤلاء القادة أن الرؤس العربية «الديكتاتورية» التي لا ترعاها أمريكا هي قاب قوسين أو أدنى، لأن اللعبة الأمريكية تحتم على الرئيس العربي «المستبد» بشعبه أن تكون هي عرابه وأن ترعى كل قراراته. ولا يهمها إن استبد بشعبه.
فإذا كانت السياسة الخارجية لأمريكا تعمل على ترويض جموح الدول العربية وتقتضي انضواءها تحت عباءاتها، خاصة تلك التي ترفض التطبيع مع إسرائيل، فإن هذه الدول تعد على الأصابع، لأن معظمها دخل في الصف، ووطد علاقته مع إسرائيل ولم يبق منها غير القلة التي قد تشكل خطرا على إسرائيل في حال غياب الحماية الأمريكية.
وما قمة باريس للاتحاد المتوسطي التي يقودها الرئيس الفرنسي ساركوزي وكانت أمريكا الملاحظ بعين مستحسنة، إلا وجهاً من أوجه فرض الكيان الصهيوني - التي تتسابق كل من فرنسا وأمريكا على خدمتها - على الدول المتوسطية، والتي كانت تشكل حجرة العثرة لهذه الدولة مثل دول المواجهة سوريا والعراق والأردن ومصر ثم دول الخط الثاني إيران و السودان وليبيا.
لكن من الدول الأربعة الأولى التي كانت تقض مضاجع الإسرائيلين وتشكل حاجزا عتيدا أمامها من عرفت التراجع ووفقت أمريكا في كبح جماحه، فالعراق مزقته الحرب ودبت الفتنة بين ضلوعه، والأردن دخل في الصف دون أن يعلن التطبيع، فالجسر الرابط بين الأردن وإسرائيل يشهد حركة دؤوبة باتجاه إسرائيل، بالإضافة لكون الدول البعيدة كالمغرب تتجه للأردن لتعليق تأشيرة الدخول لإسرائيل. أما مصر، فكانت أولى الدول العربية التي نكست علمها ورفعت العلم الأبيض مهللة لإسرائيل. وهي تعمل اليوم لجمع شمل الدول المتوسطية في اتحاد متوسطي يرعى المصالح الإسرائيلية، ويبعث التطبيع معها للدول الرافضة لهذا المنحى منذ أعوام كالسودان، الجزائر ، وليبيا ،،،،
وما بقي في جعبة جدار الصد غير سوريا التي شكلت القوة في وجه إسرائيل رفقة إيران، بدعمها لحزب الله في لبنان وبفرضها لمنطق القوة لا تجابه إلا بالقوة، وهو ما لم تستطع إسرائيل مجابهته، لأن قوة حزب الله في الجنوب اللبناني وقوة حماس في غزة، تعززه سوريا وإيران.
وفي حال ما إذا رفعت سوريا يدها على حزب الله، فإن إسرائيل ستقوم قائمتها، وهو ما تهدف له أمريكا بإدماج الدولة السورية في قائمة الدول التي يجب كبح جموحها، ودفعها نحو الاتحاد المتوسطي. الذي من صلب بنوده التعاون بين كل دول الاتحاد بما فيها إسرائيل، وهو وجه آخر من أوجه التطبيع معها.
تبقى إيران التي خططت لها أمريكا بليل، لم تكن قضية تخصيب الأورانيوم إلا حجة من قبل أمريكا لتطويق جموحها، والأكيد أن إيران لن تكون حجرة العثرة في وجه أمريكا ومن ثمة في وجه إسرائيل إذا بقيت وحدها في حال تسليم سوريا للراية وتخليها عن مراكز القوة في المنطقة، لأن مهما يكن يجب الاعتراف أن قوة المنطقة كانت في دول المواجهة القريبة الحدود مع إسرائيل، سواء بالنسبة لسوريا أو إيران.
وحتى تبعث إسرائيل من جديد بالمنطق الأمريكي الذي تريده أمريكا يجب تشتيت هذه الدول، وتبقى دول المواجهة الثانية التي هي السودان وليبيا في خانة الدور على من،؟ لأن البداية كانت بالسودان ... وطبعا الدور على البقية...
السودان تعتبر الدولة المحورية القريبة من إسرائيل، وما أثير من قبل أمريكا بحجة انتهاك حقوق الإنسان في دارفور ماهو إلا ذرا للرماد في العيون، فأمريكا المتشدقة بالحرية والمدافعة عن حقوق الإنسان، لم تحقق في انتهاكات حقوق الإنسان ولم تجرم ما اقترفه جنودها في العراق وفي بقع أخرى من بقاع العالم وداست على القانون الدولي في معتقل غوانتناموا بكوبا، ولا يهمها إن اغتيل طفل في دارفور أو جوع شعب في قطعة من السودان إذا لم تمس مصالحها.
مصلحتها في السودان هو جعل هذا البلد نسخة طبق الأصل للعراق وبعث الحروب الطائيفية فيه وزرع الفتنة داخله حتى يتشتت الهدوء الذي كان ينعم به الشعب السوداني في فترة ما، وحتى لا تقوم لهذا البلد قائمة، لأنه في الحقيقة ومن الجانب الجيوسياسي، كان يشكل قلعة قوية تحتضن حصونا لضرب إسرائيل، باعتباره قريبا منها، وقد استوعبت ذلك أمريكا، فافتعلت كل ذلك لقطع الطريق أمام العرب.
قوة السودان، وتواجده بالمنطقة كان سيشكل حصن منيع أمام إسرائيل، لو لم يتجبر «رئيسه» ليفعل بشعبه ما فعل، وليفتح الأبواب على نفسه وعلى العرب للتتربص به أمريكا وتجعل مصيره في خانة المغضوب عليهم... «وويل لمن غضبت عليه حليفة إسرائيل».
اليوم توعدت أمريكا عمر البشير من أجل عيون حسناء إسمها إسرائيل، وغدا الدور على رئيس عربي آخر ، وهكذا ... إلى أن تروض كل حكام العرب وعلى طريقتها ولا يهم إن كان مستبدا أو ديكتاتوريا يفعل ما يفعل بشعبه، المهم أن لا يمس مصالحها ولا يخالف مطالبها ويرعى شؤون الكيان الصهيوني على تراب بلده.
هناك من يقول أن تسليم عمر البشير والقبض عليه يعتبر سابقة تاريخية، وأنا لا أعتبرها سابقة تاريخية لأنه سبق وأن فعلت أمريكا ذلك مع الرئيس العراقي صدام حسين، وستفعل ذلك مع كل من بنى قصرا من زجاج ولم يعلق فوقه الراية الأمريكية،
لكن السابقة التاريخية هو عدم اكتراث بعض الحكام العرب للأمر وعدم وقوفهم إلى جانب الرئيس السوداني، ومحاولة إيجاد الحلول للمشاكل العربية الداخلية من قبل العرب أنفسهم، فاليوم لك وغدا عليك. وما فعلته أمريكا في العراق، لأنه تطاول على إسرائيل، ستفعله مع أي بلد عربي آخر تخول له نفسه بأن يتطاول على الابن المددل لأمريكا، وطبعا لن يتأتى التضامن العربي في الصميم، إلا إذا حشدت كل الهمم والطاقات العربية في قوة واحدة... وغدا لناظره لقريب.