تقرير خاص بقلم :شيماء مصطفى - مكتب الجيل للصحافة - غزة 

 

مشروع  " تكافل " .. مسكن لألم العمالة في غزة

كنت أعمل في مصنع خياطة في المنطقة الصناعية" ايرز" داخل إسرائيل ومنذ 5 سنوات وأنا متوقف عن العمل... طيلة الخمس سنوات وأنا أقف على أبواب الجمعيات الخيرية كالمتسولين... أولادي يحتاجون مصروفاً لمدارسهم وجامعتهم...وإذ بمشروع تكافل يمسح دمعي وينتشلني من أمواج المأساة المحيطة بي ولو مؤقتاً.

مشروع تكافل لم يمسح دموع "جبريل حمدي"  فقط و بل مسح دموع الآلاف من العاطلين عن العمل وأزاحهم عن ركام الفقر وأعاد البسمة لوجوه أطفالهم وبث روح الحياة في بيوتهم.

ومن وسط الأوضاع الاقتصادية الصعبة انطلقت فكرة مشروع "تكافل" الذي أطلقه تجمع المؤسسات الخيرية بالتعاون من الحكومة والمؤسسات الأهلية لأجل العاطلين عن العمل، ومحاولة جادة للمساهمة في إنعاش الاقتصاد الفلسطيني والتخفيف من أثار الحصار، ومد جسور الأمل للمواطن الفلسطيني.

وسيتم تشغيل 10.000 عامل شهرياً لمدة ستة أشهر، ليشمل المشروع 60.000 عامل في ميادين مختلفة في القطاعين  الحكومي والأهلي بموازنة تقديرية تبلغ 12 مليون دولار أمريكي.

معايير خاصة

وجاء مشروع "تكافل" لتوفير فرص العمل نتيجة الحصار المتواصل على قطاع غزة منذ عام،  الذي أدى إلى ازدياد معدلات البطالة في قطاع غزة إلى 83% وارتفاع معدل الفقر إلى 92% وفق تقديرات المؤسسات الإنسانية والإحصائية العاملة في الأراضي الفلسطينية.

والفئة المستهدفة من المشروع هو كل عاطل عن العمل سواء كان عاملاً أو خريجاً  جامعياً من كافة المجالات وهناك شروط ومعايير يخضعون لها هي أن يكون متزوجاً والمعيل الوحيد لأسرته ولا يتلقى مساعدات مالية من مشاريع مماثلة.

وتحدث أحمد الكرد المنسق العام لمشروع تكافل لـ" مجلة حطة"  " قائلاً : "يعيش قطاع غزة ظروفاً صعبةً بسبب الحصار الظالم المفروض عليه منذ سنين الأمر الذي أدى لتفشي البطالة والفقر". 

لـ" شهرين" فقط

وكان الحصار الإسرائيلي قد فُرض على قطاع غزة منذ  فوز حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006، واشتدت وطأة الحصار بعد  سيطرة حماس على قطاع غزة في منتصف يونيو الماضي.

وأوضح الكرد: " أن المشروع  انطلق لتوفير فرص عمل للعاطلين منذ فترات طويلة لسد احتياجاتهم والمساهمة في إنعاش الاقتصاد الفلسطيني انطلاقنا من واجبنا الوطني والإنساني نحو شعبنا ووطننا...  كما أن المشروع متوفر منه ما يكفي فقط لشهرين، حيث سيستفيد 20.000 ألف عامل إلى حين توسيع المشروع وجلب دعم أكبر ".

العمال هم الفئة الأكثر تضرراً من الحصار المفروض على قطاع غزة فهناك أكثر من 100 ألف عامل عاطلون عن العمل، بسبب توقف 90% من المصانع والشركات وتوقف جميع منشآت قطاع الإنشاء ونفاد  المواد الأولية والمواد الخام الصناعية والزراعية. 

لجنة توجيهية

واستطرد قائلاً " مشروع "تكافل" سيوزع المستفيدين منه على المؤسسات الحكومية والأهلية كالقطاع الزراعي والصحي والتعليمي والمؤسسات الأهلية، بعد حصرهم من خلال الكشوفات الموجودة في وزارة العمل بعد أن يتم تنقيحها من خلال باحثين ميدانيين في كافة مناطق القطاع ".

ويٌِذكر أنه تم إعداد لجنة توجيهية عليا للإشراف على المشروع مكونة من عدة مؤسسات رسمية وأهلية، ويشترك بها كل من وزارة الصحة والحكم المحلي ووزارة العمل ووزارة التعليم، وممثلين عن كبرى المؤسسات الخيرية الثلاثة؛ وهي جمعية الصلاح وجمعية المجمع الإسلامي والجمعية الإسلامية، إضافة إلى ممثلي النقابات المهنية والعمالية وينبثق عن المشروع لجان توجيهية يكون لها باحثين في كافة أرجاء قطاع غزة.

عاطل عن الحياة

وقال مروان حمد  منتفع آخر من مشروع تكافل : " لا يهم اذا كان شهران أو أكثر فهو سيشغل أكثر من 60 ألف عاطل عن العمل... مضيفاً أنه تجاوز الـ27 عاماً وما زال والده يعطيه مصروفاً.

واستدرك بحرقة لقد تخرجت منذ 5 سنوات من كلية الآداب وبمعدل يؤهلني للعمل بأفضل الشركات... ولكني لم أجد عملاً حتى الآن فكل يوم أخرج في الصباح الباكر لعلي أتعثر بعمل ولكني أعود بخفي حُنين كل مرة".

ولقد بدأ تنفيذ المشروع مطلع إبريل الماضي، وتم توزيع استمارات التسجيل للمنتفعين من المشروع على المؤسسات التشغيلية ما بين القطاع الأهلي والحكومي والمؤسسات المشاركة وممثلي النقابات المهنية والعمالية.

الأضخم منذ "96"

وقال نبيل المبحوح ممثل اتحاد العمال في مشروع تكافل : "هذا هو أول مشروع نشارك فيه ويتم  بهذا الشكل الرائع و لقد كان اتحاد العمال سابقا مهمشاً، نعمل الآن على إرساء دور بارز بالنسبة للعمال بدءاً من التأمين الصحي حتى هذا المشروع".

أوضح مراقبون اقتصاديون أن مشروع"تكافل" يعتبر من أهم وأضخم المشاريع التي انطلقت في قطاع غزة منذ قدوم السلطة الفلسطينية عام 1993، حيث يُشغل الكثير من الذين فقدوا مصدر قوتهم من الحصول على فرصة عمل مؤقتة.

كما أن الحصار ألقى بظلاله على مشروع "تكافل" وذلك بسبب عدم توفر الكثير من المواد الخام والمستلزمات الهامة لأعمال البناء وترميم البنية التحتية، ونقص المواد الأولية اللازمة للصناعة.

لذلك سيتم التركيز على القطاعات التي تحتاج الكثير من العمال والموظفين ولا تحتاج للمواد الخام والأولية كقطاعات التعليم والصحة والزراعة.

ويُشار إلى أنه تم إنهاء المرحلة الأولى والثانية من البرنامج من خلال تشغيل 15000 ألف عامل فلسطيني في المؤسسات الأهلية والحكومية، وبدأت المرحلة الثالثة من البرنامج بطور التنفيذ.

مشاريع تنموية

ويشدد الدكتور محمد مقداد الخبير الاقتصادي الفلسطيني لـ "حطة" على ضرورة تحول المشاريع المؤقتة من اتجاه الإغاثة إلى الاتجاه التنموي لكي تحقق هذه المشروعات أثرها الفعال في الاقتصاد المحلي، داعيا لتوجيه الأموال لإقامة مشاريع توفر فرص عمل ذات صفة منتظمة ومستمرة.

 وأضاف متابعاً : يجب أن ننتبه إلى أن مثل هذه المشاريع الصغيرة فقط إغاثية ولا يمكنها  أن تحقق تنمية شاملة وتدعم الاقتصاد، " فهي لا تجدي إلا لحل مشكلة البطالة المؤقتة وليست الدائمة وبالحالات الطارئة"، لافتاً إلى ضرورة التفكير في استثمار أموال تلك المشاريع لخلق فرص عمل منتجة".

ويمكن تحقيق ذلك - وفقا للدكتور مقداد- عن طريق دعم القطاع الخاص بالتركيز بشكل أكبر على تشجيع التوظيف وخلق فرص عمل؛ "ففي ظل الواقع الحالي لا يستطيع أرباب العمل؛ فليس من السهل توظيف العمالة؛ لأن الأجور مرتفعة والمردود منخفض".

وقال مقداد: "إنه بدلا من أن توجه الجمعيات جزءاً من التمويل لخلق فرص عمل غير منتجة فمن الممكن توجيه هذه العمالة للعمل في المزارع والمصانع وتقوم المنظمات الأهلية بدفع رواتبهم.. وأيضا يمكن أن تقوم بشراء بضائع المصانع ومنتجات المزارع وبذلك تكون قد حركت الاقتصاد، ويمكن بالتالي توزيع المنتجات على الأهالي الفقيرة التي لا تستطيع العمل".

ويلفت خبير الاقتصاد إلى مجال آخر من الممكن أن يستثمر فيه التمويل عن طريق التدريب لكثير من العمال الذين لهم قدرات محدودة "فبمزيد من عمليات التدريب يمكن أن يحصلوا على فرص عمل مستدامة".

ويضيف: لو استطاعت هذه المنظمات جلب تمويل كبير لعمل (حاضنات أعمال) - وهي عبارة عن مؤسسات اقتصادية تستقبل الرياديين ومن لديهم أفكار اقتصادية وإنتاجية وليس لهم إمكانيات مادية للتدريب- لأمكن للحاضنة أن تدربهم وتوفر لهم قدرة على التدريب والإبداع فتستضيفهم لعدة سنوات ومن ثم تخرجهم لسوق العمل بشكل قوي.

صعوبات

المهندس زياد الظاظا وزير الاقتصاد في حكومة غزة أكد صعوبة تحويل المشاريع التشغيلية الإغاثية إلى مشاريع عمل دائمة بالرغم من وجود خطط للوزارة بالتعاون مع الجمعيات لذلك " إذ لا يمكن توفير فرص عمل دائمة للعمالة المؤهلة والمدربة في فلسطين دون دخول المواد الأولية ومواد البناء".

ويقول : "  نحن عندما توسعنا في عملية الزراعة لم نجد أغطية النايلون للدفيئات ولم نجد خراطيم المياه الخاصة بالزراعة، ولا الصنابير والمحابس، ولا المبيدات الخاصة بالزراعة، ولا الأسمدة ولم نجد المواد لتصنيع الأعلاف، ولم نجد المواد لترميم المدارس في هذا البرد، ولم نجد مواداً لترميم المنازل التي يدمرها الاحتلال علينا" .

ويضيف : " المشاريع الإنتاجية مشكلتها أنها تحتاج أرضية وبنية تحتية، وهنا يشكل إدخال المواد للقطاع تحديا كبيرا لنا، نحن مع هذا التوجه"

 

مجلة حطة © كل الحقوق محفوظة

الرجاء ذكر اسم المجلة واسم الكاتب في حالة نقل هذا المقال