وطني أنا ... أنا وطني بقلم : إبراهيم عبد الله الحوسني
وطني أنا ... أنا وطني
إن للوطن مكانة غالية و عالية في النفوس، فهو المكان الذي ولدنا فوق ثمين ترابه، وعشنا تحت ظلال سمائه، وذقنا الأمن والأمان في واسع رحابه، وترعرعنا في كنفه، وعشقنا وديانه وسهوله وتلاله، حبه يجري في عروقنا وله منا التضحية والفداء على كل حال، وهو عز و فخر لنا وللمسلمين ولا نرضى أن يسب بالقول فضلا أن يعتدى عليه من قبل الأعداء. وحب الوطن، حب فطري، والإنسان يتعلق بالأرض التي عاش عليها، وأَلِف أهلها، وسهولها، وجبالها، و وديانها و شمسها الدافئة و صحرائها الممتدة لأنها تحمل ذكرياته و تاريخه الذي لا ينسى.
و للأوطان في دم كل حر يد سلفت ودين مستحق
و لقد تغني الرسول صلى الله عليه وسلم بحبه لبلده «مكة» و صرح به في أكثر من موضع فقد جاء في حديث عبدالله بن عدي بن الحمراء الذي قال فيه: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته واقفاً بالحزورة، يقول: والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي والله لولا أني أُخرِجت منك ما خرجت) يشير إلى أنه لولا أن قريشاً أخرجوه من مكة ما خرج منها لحبه لها كونها بلده ومرتع صباه.
إن ديون الوطن علينا لا تعد ولا تحصى, وحقوقه علينا كثيرة: فمن حق الوطن علينا ولاءنا له، ومن حقه علينا المحافظة على أمنه واستقراره فكل مواطن منا هو شرطي للوطن ومن حقه علينا المحافظة على ممتلكاته وثرواته وأن لا نستمع لكل زاعق وناعق يريد لنا و لأوطاننا شرا و مكرا و ألا نمكن وطننا من مكائد الحساد..
نعم قد يلتف علينا الحساد من كل صوب و حدب يريدون ما يريدون من الشر و المكر و الفساد، و نبتلى بالمفسدين من بني جلدتنا و من غيرنا و هم كثير لا يعدون. ويتربص بنا المتربصون من كل جوانب حدونا الممتدة من شرقها إلى غربها ، و نشم رائحة الغدر في أفعال و أقوال المتآمرين على ربوع أراضينا و من الخارج و على الدوام دون انقطاع و لا يأس. ولكن يبقى وطني أقوى و أكبر و أعظم من كل حقد و تآمر و تربص و يعلو فوق كل فساد. نعم و نقول لكل هؤلاء و هؤلاء الوطن يبقي و أنتم الراحلون. و سيذكر الجميع أوطاننا بالخير و الحب و المخلصين بالوفاء و الثناء و يبقى الوطن شعارا للوحدة و البذل و العطاء . و سيذم التاريخ الأعادي ما بقوا و بعد رحيلهم ستلعنهم القلوب و تلفظهم القلوب و تشتمهم الألسن و تهجوهم الأحرف و ستفضحون بين سطور الكلمات.
فكونوا كما أردتم ! خفافيش ليل، و عباد فساد، و قرابين لآلهتكم التي أغوتكم، و رمت بكم في آتونها الذي لا يخمد، و لكننا و بحمد الله سنزف لكم سار أخبارنا و مفرح أنبائنا، إننا و بحمد الله أقوى مما كنا يدا بيد في وجه الطغيان والفساد . قد توحدت أمانينا و التأمت قلوبنا و تظافرت جهودنا و تعمقت أواصر أخوتنا. أقوياء بديننا و أخوتنا و أهدافنا وأمانينا و تطلعاتنا .
عزنا الإسلام هو غاية فخرنا فيه سر وجودنا ونموت دونه
أرضنا أرض الذهب وأنقى المذاهب والرجال إللي عهدهم يحفظونه
بلادي وإن جارت علي عزيزة وأهلي وإن ضنوا عليّ كرام
هكذا و على مر العصور و الأيام تغنى الشعراء و الأدباء و العاشقون بالوطن،
فلم يكن عشق المرأة هو العشق الأوحد،
و لا البكاء على أطلال الحبيبة هو المشهد الأخير في قصة نهايتها هي البداية،
و عبرت القلوب و الأفئدة عن مكنوناتها الدفينة عشقا و حبا و غراما بمسقط الرأس و
تراب لطالما كان مسرحا للهو و اللعب و محضنا للكثير من الذكريات العبقة التي سجلت
في دفاتر الذكرى و كشاكيل جميل الذكريات.
حب الأوطان و ما أدراكم ما حب الأوطان، حب و وجد قديم الأثر، قوي المفعول، منقوش في النفوس البشرية طيبا لا قهرا، و صدقا لا رياء و لا نفاقا، وإن اختلفت المذاهب والاتجاهات، و تعددت الأعراق والأصول و الأجناس، و اختلفت اللغات و اللهجات فيما تجيشه القلوب في ذلك الحب نثرا و شعرا و دمعا بل إن شئت فقل دما، وما يقوله الشاعر العربي، يجري على كل لسان آدمي، شاعرا مفوها كان أم أديبا أريبا أم أي إنسان بسيط لا يملك من أمر دنياه إلا أبجديات اللغة التي تعبر عن نفسها بنفسها، وإن عصفت به الظروف ونالت منه السنون و الحتوف، وإن أكثر ما يبكي الرجال شوقهم وحنينهم إلى أوطانهم، وأشد ما يغص في حلوقهم أن يطرد من أرضه ودياره، ويحول الظلم دون عودته، وكم تراوده أحلامه بمرابع الصبا، وتذكارات الصحب و الإخوان في مسجد الحي، وحراك الطفولة في الأودية والجبال القريبة، ويموت الإنسان وذاكرته لا تموت تلح عليه في النوم واليقظة و تذكره الأوطان و الخلان فلا يغمض له جفن قبل أن يطمئن على وطن هو الملاذ بعد الله و المأمن و المسكن و المأوى في كل نازلة و عند كل وقت وحين.
و حبب أوطان الرجال إليهـــــم مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكرت أوطانهم خطرت لهم عهود الصبا فيها فحنوا لذالكا
وحب الوطن، هو مثل حب الإنسان، لولده، وقومه، وعشيرته، وزوجته، ومثل حبه لما هو
جميل، فهذا الحب مغروس في جبلة الإنسان، وهو أمر فطري.
وحتى
يتحقق حب الوطن عند الإنسان لا بُد من تحقق صدق الانتماء إلى الدين أولاً، ثم الوطن
ثانياً، إذ إن تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف تحُث الإنسان على حب الوطن،
ولعل خير دليل على ذلك ما صح عنه حين خرج من مكة المكرمة مكرها.
ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مُعلم البشرية يُحب وطنه لما قال هذا
القول الذي لو أدرك كلُ إنسانٍ مسلمٍ معناه لرأينا حب الوطن يتجلى في أجمل صوره
وأصدق معانيه، ولأصبح الوطن لفظاً تحبه القلوب، وتهواه الأفئدة، وتتحرك لذكره
المشاعر.
تبكي العين
بعد
فراقها
الوطنا
لا
ساكنا
بعده ألفت
ولا
سكنا