حظك اليوم بقلم :إسلام مصباح عبد المحسن

 

حظك اليوم

السؤال هو

هل تؤمن بالحظ؟.. هل تنظر إلى باب حظك اليوم في أي جريدة لتقرأ عبارة ليست لها رأس من ساق تبشرك بنجاح أو تنذرك من فشل؟.. هل تؤمن بأن مستقبلك وقدرك مرتبط بانتمائك لبرج معين أو ارتباطك برقم ما؟..هل تهوى المقامرة؟.. هل تؤمن بأن حظك سيوصلك إلى طرق النجاح؟.. هل ذهبت من قبل إلى عرافة أو كاهنة لتقرأ لك الطالع؟.. هل وصفت نفسك من قبل أو شخصا قابلته بأنه مصدر للحظ أو للنحس؟..

يفسر علماء الفلسفة الإيمان بالحظ كامتداد للإيمان بالغيبيات، بمعنى أن الإنسان ينظر إلى كل شيء من حوله باعتباره سيد حي له قدرات تفوق قدرات البشر، يتدخل في قدره المستقبلي ويؤثر فيه بطريقة حتمية، مثلما آمن القدماء بالشمس أو القمر، ومثلما قدم القدماء القرابين للأصنام والأجرام السماوية باعتبارهم آلهة، فأنت تقدم القرابين للأشكال والرموز التي تعتقد بقدرتها على السيطرة على حياتك أو تغييرها للأحسن أو للأسوأ، وذلك بالإيمان بها.

ويفسر علماء الاجتماع الإيمان بالحظ أو بالنحس بأنه إحساس بالوحدة ناجم عن فقد قدرة التواصل مع الآخرين، ولذلك يحاول الإنسان صاحب ذلك الإيمان الزائف، التواصل مع الأشكال والرموز والخرافات باعتبارها قادرة على التواصل معه ومساعدته على النجاح. 

أما علماء النفس فيفسرون الحالة بأكملها على أنها إحساس داخلي بعدم القدرة، فالإنسان الذي يحمل داخل طيات نفسه التقدير اللازم لقدراته ومهارته، لا يحتاج لأي دافع خرافي للوصول إلى أهدافه، فقط الإنسان الذي يعاني من إحساسه بضعف قدراته يحاول أن يجد شماعة يعلق عليها إخفاقاته، وحتى عندما يصل إلى النجاح، يحاول أن يجد شماعة أخرى لينسب إليها النجاح بدلا من نفسه، لأنه لا يثق بقدرته على النجاح من الأصل.

وبدلا من التفكير في وسائل النجاح والفشل يلجأ، إلى الإيمان الزائف  بالحظ او بالنحس، أو بسيطرة قوى غير واقعية على نجاحه وفشله. انظر مثلا إلى هذه العبارة التي كتبت في باب حظك اليوم في إحدى الجرائد تحت برج العقرب:

(ليس اليوم هو الوقت الحرج. انطلق في الخطوط العريضة وسترتّب الحقائق لاحقاً. بدلاً من أن تنشغل بالنقد البنّاء، قم بقفزة نوعية ولو بالمبادئ الأساسية و انظر إلى النتائج الإيجابية. ستجد هذا الطريق مرحاً أكثر بعد أن تدخله. الحبيب يطلب إليك بعض الأمور حاول أن تقوم بها.)

هل تجد لهذه العبارة أي معنى؟ مجموعة من الكلمات العريضة المائعة التي يمكن أن تفسر بأكثر من تفسير، وتحمل في طياتها كل المعاني التي يمكن أن يقابلها أي شخص في يومه، بل هل من الممكن أن تتخيل أن عبارة بهذا القصر يمكن أن تصف يوم عشرة آلاف شخص على أقل تقدير، ولدوا في برج العقرب؟! 

في الواقع الإنسان بطبيعته مقامر، يهوى أن يجرب حظه ولو على سبيل اللهو، يحب المغامرة التي لا خطورة منها، يحب أن يخدعه أحدهم برضاه، وأن يقول له أن الحياة مليئة بالمصاعب تارة، ومليئة بالأفراح تارة، يحب من يقول ستصل إلى أهدافك، ومن يقول له ستجد الصعوبات في طريقك إلى الهدف، ولكنك ستتغلب عليها، ولكن للأسف، حتى في عصر التقدم العلمي وغزو الفضاء لازال البعض يؤمن بالحظ والنحس وقدرة الآخرين على معرفة أقدارهم المستقبلية.

وقد استبعد أفلاطون مرضى الوهم والمؤمنين بالحظ والنحس من مدينته، فلا مكان في المدينة لبائعي الوهم ومشتريه، وقد حاول بعض العلماء تفسير الأساليب التي قد يلجأ إليها المؤمن بقدرة الآخرين على معرفة مستقبلهم أو التأثير فيه، مثل قراءة الكف أو قراءة الفنجان.

قراءة الكف

يعود تاريخ قراءة الكف إلى الهند والصين واليونان، وقد أجرى العديد من الباحثين الأوروبيين والأمريكيين الأبحاث وألفوا الكتب حول دراسة الخطوط المرتسمة في كف اليد وقصرها واستقامتها ، وخرجوا بدراسة تبين أن خطوط الكف لا تكشف شيئا عن القدر أو المستقبل، بل تساعد على معرفة الطباع وأسلوب حياة الشخص نفسه، فيقال أن هناك علاقة بين طول الأصابع وتناسق ملامح الوجه، وإن قصر خط العقل الذي يقسم الكف يدل طوله على العناد وتصلب الرأي، وقصره على الصبر والتحمل. وطول خط الحياة الذي يلتف حول الإبهام يدل على شخصية متسلقة ترغب في كل شيء، والخط الثالث وهو خط الحب فانحناءه يدل على التسامح واستقامته تدل على حب التملك والأنانية.

قراءة القدمين

تقول الباحثة جين شيهان البريطانية أن بإمكانها أن تعرف الكثير عن شخصية المرء من خلال النظر إلى قدميه، فإذا كانت القدم عريضة فهذا يعني أنك نشيط، وإذا كانت صغيرة فأنت أكثر سعادة من الآخرين وتتمتع بقدرة تكليف الآخرين بما تريده، أما القدم المقوسة فتعني امتلاك قدرات داخلية وذاتية قوية، والقدم المسطحة تعني الاجتماعية وحب مصاحبة الآخرين.

قراءة الفنجان

يدعي قارئ الفنجان أن للفنجان رموزاً ورسوماً يستدل بها على ما تحمله الأيام القادمة لشاربه، فمثلا عدم جفاف الفنجان المقلوب إلا بعد فترة طويلة يشير إلى الحزن والمتاعب التي تنتظر شاربه، كما أن الخطوط تدل على سكة سفر أو طريق سيسلكه الإنسان، وكثرة التعرجات تشير إلى المتاعب والعكس، والنقاط تدل على وحدات الزمن ساعة أو يوم أو أسبوع.

والرسوم التي تجسدها القهوة تشير إلى بعض التفسيرات، صورة الجمل تشير إلى الخير الكثير الذي ينتظر شاربه، وصورة الحوت تشير إلى كثرة الرزق، والحمام يدل على بشرة الخير، بينما لوح الخشب يدل على الموت. 

وهناك الكثير من الألعاب التي تعتمد بالدرجة الأولى على الحظ، مثل ألعاب النرد والورق والدومينو، وتعتمد في المقام الأول على الحصول على أكبر عدد من الأرقام المتشابهة، أو رقم الحظ الأكبر، وتمثل المهارة في اللعب (مثل استخدام طريقة معينة لرمي النرد أو استخدام توافق الأرقام بطريقة جيدة) المرتبة الثانية، وتعد هذه الألعاب نوع من أنواع المقامرة. 

الروليت الدموي

إنها على وزن لعبة الروليت الروسية الشهيرة وهي لمن لا يعرفها يمارسها مجموعة مقامرين عابثين بالحياة, حيث يقومون بوضع رصاصة واحدة في الساقية الدوارة للمسدس، ويقوم أحدهم بتحريك الساقية ولا يعلم أين سيكون موضع الرصاصة، ثم يقوم المقامر بحياته بالضغط على الزناد، وهو وحظه. فإذا كانت الرصاصة في مسار الفوهة أصابته في مقتل، وإن لم تكن كذلك نجا من الموت، وممارس هذه اللعبة العبثية لا يهدف إلى كسب المال، بل للمتعة والعبث بقيمة الحياة، وهي لعبة ممنوعة.

والأمثلة كثيرة في حياتنا العادية لاعتماد البعض على فكرة الحظ الحسن أو السيئ، ونجد بعض الحالات التي آمنت بحظها الحسن لدرجة إنها دخلت في صفقات غير مضمونة فخسرت كل شيء، والبعض الآخر آمن بنحسه الشديد حتى وصل إلى درجة الانتحار، وقد حاول بعض العلماء تفسير الأوقات التي يغلب عليها الحظ الحسن أو النحس، ومن هذه التفسيرات نظرية الإيقاع الحيوي، ففي بداية القرن الماضي توصل العلماء إلى نظرية تؤكد أن الإنسان ومنذ ولادته، تمر حياته في ثلاث دورات متكررة، تتعلق إحدى هذه الدورات بحالته الجسدية أو البدنية، وتتعلق الثانية بحياته العاطفية أو الحسية، أما الدورة الثالثة فهي دورة نشاطه العقلي أو الذهني .

وعلى كل شخص أن يختار أنسب الأيام للقيام بنشاط ما من العديد من النشاطات البشرية، مثل أن يتجنب النشاط الحاد إذا ما كانت دورته الجسدية في يوم ما عند الحضيض فيحصن نفسه ضد العديد من الأمراض المعدية وهكذا، وعندما تتلاقى هذه الدورات الثلاث في أدنى منحني، يسبب ذلك حالات الإخفاق في الحياة العاطفية والمهنية والعقلية، ولا دخل مطلقا للنحس في هذه الإخفاقات، وعندما تتلاقى الدورات في أعلى منحني، يسبب ذلك حالات النجاح، ولا دخل أيضا للحظ في هذه النجاحات.

والعديد من شركات الطيران تأخذ بنظرية الإيقاع الحيوي حتى تتجنب الحوادث الناتجة عن تدني إحدى الدورات، والعديد من الأطباء يؤجلون إجراء العمليات الجراحية للمرضى الذي تتدنى لديهم الدورة الجسدية، وفي روسيا يعطون إجازات لعمال المنجم أثناء تدني الدورة العقلية والجسدية لأن أي خطأ يؤدى إلى خسائر فادحة، وفي دراسة حول المنتحرين، وجد أن معظمهم تدنت لديه الدورات الثلاث في وقت الانتحار.

 

مجلة حطة © كل الحقوق محفوظة

الرجاء ذكر اسم المجلة واسم الكاتب في حالة نقل هذا المقال