تقرير خاص عن أطفال غزة بقلم : شيماء مصطفى - مكتب الجيل للصحافة في غزة
يا صمت العالم رفقاً "بعصافير المدينة"
بعد أن غادرها الأحبة .. بيوت غزة باردة
طائراتٌ تحمل في حممها براكيـن المـوت والدمار تقذفها بلا رحمـة على بيوتٍ تحتضن الكثيـر من الأحلام فتُهشمها... تقطع الرؤوس وتُفتت العظام .. تبتر اللحـم وتجـعله يتوه في أروقة المكان...
صاروخ إسرائيلي واحد كفيلٌ بتدمير أسر بأكملها ووأد زهور وبراعم لم تتفتح بعد.. فتخلف وجعاً وجرحاً في كل بيت.. وصوت دمعة مخنوقة وآه تملأ الأرجاء.. وأمطار من الدماء والأشلاء..
الحروف تتبعثر أمام فاجعة أب يبكي وحيده، وأمام أمٍ صفعها غياب قُرة عينها.. وطفل بعيونٍ تائهة يبحث عن أبيه؟؟ وبقايا كراسات وأقلام تسأل عن أصحابها... ودُمى تهتف بحرقة: "من بعدك يلمسني".. ودراجـةٌ تسأل عن راكبها؟!
أصعب يوم بحياتي

أم الشهيد عُمر درونة (15عاماً) تحدثت لنا بحرقةٍ الثكلى وألم الشوق واللوعة: " كان يوم رحيله أصعب يوم في حياتي ، فبعد خبر استشهاده الذي فجعني في قرة عيني احتسبته عند الله شهيداً..."
وأردفت قائلة بكامل حزنها ووجعها :" كان سندي ويدي اليمني في كل أعمال البيت... قبل استشهاده بساعة؛ خبز لي الخبز وجهز طعام الغداء ثم ذهب للعب كرة القدم مع أصدقائه خلف المنزل ولم يعد إلا أشلاءً ممزقة...".
وتضيف الأم المكلومة: " عندما كان يحدثني عن حبه للشهادة ويطلب مني بالدعاء له بأن يصافح الجنان، أبكي وأتمنى عليه ألا يقول هذا الكلام فيداعبني بكلماته الرقيقة وضحكته الطفولية ويقول لا تخافي سأتشفع لكِ في الجنة يا أماه".
وأضافت ودموعها تنهمر كالمطر: " حبيبي يا عمر؟؟ ما الذي فعلته يا صغيري؟؟ لم تكن مقاوماً ولم تحمل صاروخاً؟؟.
وبصوت الأسى تمضي :" الشهداء هم قرة أعيننا فقلوبنا تلوح لهم مودعة عسى أن تلقاهم في مكانٍ أخر, ونحمل نعوشهم على أكتافنا بعد أن حملتهم أيدنا وهدأت من روعهم, فبعد أن عانقنا دموعنا فرحاً لقدومهم اليوم نكفكف دموعنا حزناً لرحيلهم...
قتلوا أحلامي

الشهيد محمد البرعي ابن الـ5 أشهر انتظره أبواه بعد رحلة علاج استمرت 5 سنوات؛ صاروخٌ إسرائيلي حاقد انتزعه من سريره واغتال فرحة أبويه التي لم تدم طويلاً... وترك أمُ ثكلى وأبٌ مفجوع وبجوارهما سريرٍ فارغ.. بارد.. يُنادي على مناغاة محمد...
وبقلب مكسور تحدث لـ" حطة" والده ناصر البرعي قائلاً ": "هبط الصاروخ الأول فالثاني، ثم كان الثالث الأشد عنفًا.. انقطع التيار الكهربائي وغرق البيت في ظلامٍ دامس.. بدأت الحجارة تتساقط.. وجريت لغرفة محمد لأتفقده شعرت بالدماء تنزف من جسده، ساعتها لم يصدر عنه أي صوت وهو ما بث الرعب في قلبه.. في المستشفى لم يتمكن الأطباء من إنقاذه.. ما انهار عليه كان أسرع وأقوى".
بعدها أطرق برأسه حُزنًا تاركًا لقلبه حرية البكاء: "محمد جاءنا بعد رحلة علاج مرهقة للعقم استمرت أكثر من 5 سنوات.. انتظرنا القادم الجميل على أحر من الجمر".
محمد لن يتمكن من ركوب الدراجة فصاحبها غادرها وعجلة المشي التي كان يحلم والده بالتصفيق لخطواتها الأولى أضحت رُكامًا، وكأنها تأبى البقاء بعد رحيل رفيقها.

لكل طفلٍِ صاروخ
أحباب الله... فراشات يعلّق عليها آباؤهم أحلامهم... هم ضحكات والمناغات التي تملأ البيت بفرحٍ وسرور؛ باتوا هدفاً لطائرات الموت الإسرائيلية فمشاهد قوافل شهداء الأطفال أصبحت صورة متكررة خلال الأعوام القليلة الماضية... من منزل "نبيل أبو سلمية" القيادي في حركة "حماس" الذي ودّع الحياة هو وزوجته و7 من أطفاله في قصف إسرائيلي عنيف دمر العائلة، فأطاح بدُمى إيمان "11 عامًا"، وشهادات تفوّق هدى ابنة الـ"14 عامًا"، وفستان آية صاحبة السنوات السبع، وحذاء نصر ابن الرابعة.
لتطل على الذاكرة بعدها صور "مجزرة " عائلة العثمانة ببيوتها المهدومة على ساكنيها وبـ"20 فردًا رحلوا معظمهم من الأطفال.."
وتحمل الإحصاءات الطبية الفلسطينية أرقاماً مخيفة لألف طفل فلسطيني قضى نحبه منذ بداية انتفاضة الأقصى عام 2000 نصفهم وأكثر من غزة، وأبرزهم محمد الدرة، وإيمان حجو، وإيمان الهمص، ورغدة، وآلاء، وعشـرات الأسماء غادرت تاركـة خلفها عشرات الأحلام الصغيـرة.
فقدنا سندنا
وبصوتٍ يقطر صبراً تحدثت لـ"حطة" أم صهيب العمريطي زوجة أحد الشهداء وأم لأربعة أطفال" يوم أن استشهد زوجي حضنت أطفالي الأربعة بشدة ، أكبرهم دعاء 5 أعوام ، وأصغرهم التوأمين براءة وخالد ثلاثة أشهر... كنت أعلم أن أولادي فقدوا سندهم ومعيلهم وحضنهم الدافئ، وزوجي ترك لي مهمة صعبة وشاقة... مضيفة قبل استشهاده كان زوجها يحاول أن يهيئها ويصبرها لتحمل تبعات غيابه، ويطلب منها الصبر، والثبات، وتحمل مسؤولية الأولاد حيث تقول: كان يتوقع استشهاده بأي لحظة، وكان يختطف أوقات الفرح من الزمن ليقضي وقته مع الأولاد رغم ملاحقة الاحتلال له، فيحاول أن يصبرني، ويقول لي: غدا ستبحثين عني في كل أرجاء البيت ولن تجديني بجوارك.. ولم أكن أصدقه".
وتستدرك قائلة: " غاب عني زوجي وشريك حياتي وأنا لم أتجاوز الخامسة والعشرين؛ و بدأت رحلة المعاناة منذ لحظة استشهاده فكنت لأولادي الأب والأم في آنٍ واحد، ومسؤولياتهم وتربيتهم تتعاظم يوماً بعد يوم فتربية الألاود صعبة جدا في هذا الزمن... هم يحتاجون لسند ورفقة أب ليعينهم ويرشدهم ويسقيهم من خبراته في الحياة".
أريد بابا..
الطفل أحمد عطا الله ثلاث سنوات كل صباح يستيقظ مع شقشقة العصافير ويجري بكامل ضحكاته وبراءته لغرفة والده ليوقظه وعندما يصل للسرير يدخل في نوبة بكاءٍ حادة وتنهدات وشهقات مؤلمة لا يوقفها إلا باستغراقه بالنوم على سرير والده.
وبرداء الحزن والفقد تقول والدة أحمد: " طفلي أحمد لا يمل من السؤال عن والده وكلما غضب من أحد يصرخ وينادي على والده... كل ليلة يضع صورة والده بجواره ويتساءل أين ذهب بابا؟؟ لماذا لا يعود بابا؟؟"...
وتضيف والدموع تنهمر من عينيها :" أحاول أن أفهمه أن والده ذهب إلى الجنة... ولا يقتنع ويطلب مني مفتاح الجنة حتى أخرجه منه ويرجع إلى البيت ويلعب معنا"... كلما أبعد عنه ولا يراني تنتابه حالة من القلق الشديد والفزع خوفاً من أن أذهب مثل والده ولا أعود...".
وكان والده قد استشهد في قصف إسرائيلي استهدف منزلهم بثلاثة صواريخ من طائرات الـF16"" وتحول المنزل المكون من ثلاث طوابق إلى كومة من الحجارة والركام دُفن تحتها سبعة شهداء.
تركنا الموجوعين بجرحهم الدائم وثمة رسالة تنطق من عيونهم :" يا أيها الشهداء البيت أصبح خاوياً بارداً مظلماً بعدكم... والحياة غدت مؤلمة قاسية متوشحة بالسواد.. يا نور القلب والروح ومهجة الفؤاد... اغتالوا أحلامكم ووأدوا براءتكم دون شفقة ... جعلوا كل شيء أسود قاتم بعدكم...حيث لا نافذة للنور إلا في فرح ضحكاتكم وصوت أحلامكم وأمنياتكم... فيـا صمت العـالم "رفقاً بعصافير المدينة".