قائد
البلاد وحاكم العباد وكرة القدم
بقلم
: علي فاضل البدراوي - كاتب من العراق
قائد البلاد.. وحاكم العباد.. وكرة القدم!!
من البديهيات المُسَلّمْ بها أن أي رئيس دولة أو حاكم شعب يتعايش مع حياة شعبه ويجاريها، ومن تلك البديهيات هي انشغال الشعب وتحدثهم بمطرب أو فنان أو لاعب أو فريق كرة قدم يخص وطنهم.. إضافة إلى تحدثهم بأمورهم الحياتية اليومية والسياسية خاصة إذا ما كان شعبا يعيش في بلد مضطرب تضربه العواصف من كل جهة..
*علاقة كل ذلك برئيس الفترة السابقة بالعراق ربما تكون معدومة، أي أن الرجل لم يذكر طيلة فترة حكمه (حسب علمي) أي نادٍ في بلاده ولا حتى منتخب بلده الوطني يوما ما ولم يذكر أية شخصية عراقية مشهورة (فنية كانت أو ثقافية)..
*في العهد الحالي شاهدنا السيد نوري المالكي رئيس الوزراء يتابع باهتمام مباريات منتخب العراق في بطولة أمم آسيا وقد عرض التلفزيون نشاطا سياسيا له وهو يتابع في مقر عمله مباراة السعودية والعراق النهائية في أمم آسيا وقد عُرض نشاط آخر له بمكالمة هاتفية مع يونس محمود وحسين سعيد في ماليزيا وجاكرتا وقد شاهدنا استقباله للمنتخب الا أن تلك الفورة منه سرعان ما هدأت بعد الاستقبال وتقبيله للكأس ولم يسأل بعدها عن حال الفريق وشؤونه مطلقا منتظرا إنجازا آخر كي يحتفل به مع أبناء شعبه.. ولم يسأل أيضا عن مصير الكأس الذي قبّله... نفس الحال مع رئيس الجمهورية الذي استغل فترة تواجده في عمّان للعلاج لتهنئة المنتخب الأولمبي بفوزه على الهند وكذلك استقباله للمنتخب بعد فوزه بأمم آسيا الأخيرة ولم نسمع من الرجلين بعدها أي حديث عن شؤون سفير بلدهم وموحد شعبهم (منتخب أسود الرافدين) وما يمر به من ظروف وسوء تمويل وأزمات..
*عربيا وعن علاقة الحاكم بفريق بلاده وكرة القدم تقول الروايات الموثوقة أن زعيما عربيا حضر في بداية حكمه مباراة (ديربي) بين فريقين متنافسين في بلاده بناءً على نصائح الحاشية كي يكسب ود شعبه وهو حاكم جديد عليهم.. حضر المباراة في منتصف شوطها الأول (لأسباب أمنية) وجلس على منصة التشريف ليسأل الحاشية مشيرا إلى الجمهور: من هؤلاء ؟؟؟ قيل له: سيدي هؤلاء الجماهير.. ثم أشار إلى ساحة اللعب ومن هؤلاء الأولاد؟؟؟: قيل له: سيدي فريقين يتباريان فيما بينهم فقال: طيب لماذا لا يشترك هؤلاء مع هؤلاء بمتعة اللعب (الجمهور واللاعبين) ويكتفي بضعة أولاد بتلك المتعة ليحرم منها الاف الجالسين.. ها أنذا أرى الحسرة في عيون الآلاف من أبناء شعبي لحرمانهم من اللعب، فقالو له: سيدي إنها القوانين، قفز من كرسيه قائلا: والله لن أحضر هذه التفاهات إلا إذا تغيرت تلك القوانين (السخيفة) ويشترك الشعب كله بمتعة لعبة ينفرد بها ثلة من الأولاد..
*الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر هاوي الفن والموسيقى وأم كلثوم وعبد الحليم تروى عنه القصص بأن من أوائل تصريحاته بعد نكسة حزيران 67 كانت ضد (الكووورة) متهما إياها بتلهية الشعب المصري عن شؤون بلده صارفا النظر عن من كانت تفرغ شوارع القاهرة لأجلها وهي تغني!!!!..
*للرئيس المصري محمد حسني مبارك قصص مع منتخب بلده القومي أظرفها مانشرته مجلة روز اليوسف بعد نهائيات أمم أفريقيا في بوركينو فاسو 98 عندما اتصل حسني مبارك بمحمود الجوهري أثناء استراحة ما بين الشوطين في مباراة مصر والمغرب قائلا له: غَيّر الخطة يا جوهري.. بقولك غير الخطة!!!!...
*أما في منطقة الخليج العربي فالأمر مختلف والحق يُقال، فكثيرا ما نشاهد ملوكها وأمراءها يحضرون حتى المباريات العادية التي تجري في دوريات بلدانهم دون تكلف أو مجاملة، من باب حبهم لتلك اللعبة الجماهيرية وما النهج الذي اتبعه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بتكريم وتمويل الفرق العربية لكرة القدم إلا دلالة على حرص هؤلاء الناس على تطوير الرياضة التي يهوونها ويعشقونها بالفطرة.. ناهيك عن الأردن التي لمليكها حكاية مع فريق بلده في الدورة الرياضية العربية في المباراة الشهيرة مع العراق عام 99.. إضافة إلى حادثة تركه شؤون الحكم وتوجهه إلى الصين لحضور مباراة بلده مع اليابان في بطولة أمم آسيا قبل السابقة..
قادة أمريكا وكرة القدم
*الرئيس الأمريكي (جورج دبليو بوش الابن) له سابقة كروية واحدة في تاريخه الرئاسي وفي أحاديثه الطويلة جدا يوم قال بتاريخ 14/5/2004 في خطاب لجنود البحرية المارينز: تحية أوجهها من هذا المكان لمنتخب العراق الأولمبي بمناسبة تأهله إلى أولمبياد أثينا.. انظروا إلى هؤلاء الشبان كيف فازوا على السعودية القوية وأخرجوها من التصفيات في مباراة خارج أرضهم!!!!!..
وبعودة إلى الماضي القريب لازالت في بال جيلنا الأزمة التي عصفت بالولايات المتحدة عندما تأهل العراق إلى المرحلة النهائية من تصفيات كأس العالم 94 في الولايات المتحدة أثناء فترة الصراع السياسي مع العراق والحصار الاقتصادي. فقد أوردت صحيفة الشرق القطرية في أحد أعدادها أن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون سعد كثيرا بخسارة العراق مع كوريا الشمالية في تلك التصفيات وهو يتابع بحذر مشوار العراق فيها..
وسبحان مغير الأحوال بين بوش وكلينتون!!!!...
* قصص من الغرب نتعلم منها حكايات كثيرة عن حب الحكام لمنتخبات بلدانهم الوطنية.. فلازلت أتذكر تأجيل جلسة للبرلمان الإيرلندي في صيف عام 90 بسبب مباراة منتخبهم مع رومانيا في مونديال إيطاليا.. إضافة إلى أمر آخر هو إشادة رئيسة وزراء النرويج في خطابها الأسبوعي عام 94 باللاعب (الأشقر الجميل) توني آندر فلو مهاجم منتخب بلادها وما يقدمه من خدمات جليلة لهذا الوطن.. وهو ما أثار استغراب الجميع كونها امرأة ورئيسة وزراء في آن واحد تخرج عن السياقات التقليدية وتتكلم عن (الطوبة)..
*بالأرجنتين حكمت عصبة عسكرية ذلك البلد في فترة السبعينيات حتى أوائل الثمانينات. يقول مارادونا عنها: كنا نستمع إلى إذاعة بلدنا من إسبانيا أثناء بطولة كأس العالم 82.. بعد خسارتنا في المباراة الاولى أمام بلجيكا خرج تعليق سياسي مكتوب بخط يد الحاكم ليلقيه المذيع قائلا فيه: ثلة الأغبياء هذه لا تستحق أن تمثل بلدا عظيما كالأرجنتين.. لتعوّض الأرجنتين بعدها خسارة بلجيكا بفوز كبير على المجر لتخرج إذاعة الأرجنتين (والكلام لمارادونا) بأغاني عسكرية تمجد القائد ونظامه، لتعود متهمة اللاعبين بالتكاسل والغباء لخسارتهم مع البرازيل في الدور اللاحق..
لكن كارلوس منعم الرئيس الارجنتيني المنتخب ديموقراطيا عوّض الأمر بمفاجأته الشعب والعالم بنزوله أساسيا ولمدة طويلة في مباراة لمنتخب بلاده أواخر الثمانينيات لعب فيها مهاجما مع مارادونا وصنع له هدفا جميلا..
علاقة الحاكم بكل دول العالم بكرة القدم علاقة وطيدة سلبا كانت أم إيجابا، لأهمية تلك اللعبة الشعبية ودورها في إحداث تغييرات في حياة الشعوب وربما مستقبلهم.. ولكن المؤسف بالأمر هو تجاهل الدور الكبير الذي تلعبه كرة القدم في حياة الشعوب والأمم من قبل الكثير من الحكام، فنادرا ما تجد قائد شعب أو رئيس بلد يشير في خطاب رسمي إلى فريق بلاده و إنجازاته وتأثير ذلك الفريق بمسيرة بلده وتقدمه و إن أشار ففي المناسبات فقط ولكن قد يندر أن تقرأ في كتاب تاريخ منهجي في بلد عن دور فريقه وبطولاته وكؤوسه.