من الخطورة أن نجعل لغتنا في المرتبة الثانية بقلم : د. عبد الحي الهاشمي
صناعة الحياة
من الخطورة أن نجعل لغتنا في المرتبة الثانية
الأجانب يتعجبون : لماذا لغة التدريس في بلدكم إنجليزية ؟
لكل دولة سيادة، ولكل أمة لغة تعبر بها عن حضارتها، وهويتنا في الدولة العظيمة الإمارات العربية المتحدة أنها دولة عربية ذات جذور تضرب في أعماق التاريخ بلغتها وثقافتها وحضارتها، وهي دولة تفخر بدينها العظيم دين التسامح والمحبة والعزة والكرامة والنمو والعطاء، إنه دين الإسلام العظيم، فهل يمكن – يا ترى- أن يكون هناك صدام بين اللغة العربية وغيرها من اللغات في دولتنا الغالية؟!
من يستعجل في الاستنتاج قد يخطئ في الأحكام، حينما ينادي المثقفون وأهل العلم والمعرفة والبحث العلمي بضرورة وضع أسس وتشريعات لحفظ اللغة العربية في مجتمع الإمارات يجب أن لا يفهم من هذا التوجه أنه إقصاء واحتقار للغات الأخرى، لقد نادينا – نحن الأكاديميين- مراراً وتكراراً أنه لا خوف من أي لغة أخرى، وخاصة اللغة الإنجليزية، وأنه يجب أن تكون العناية الأولى باللغة العربية، فليس بيننا وبين اللغات الأخرى صراع، إنما تكامل وزيادة في التواصل، ولذا نأتي إلى النقطة التالية.
أما النقطة التالية فأقول بأن اللغة العربية يجب أن تكون لغة الحياة في مجتمعنا العربي المسلم مجتمع الإمارات، وليس هناك أي ضرر من الاعتناء بلغة أخرى كاللغة الإنجليزية، وأتساءل: لماذا أرى غالبية جامعات الدولة وكلياتها ومعاهدها العلمية معتمدة على اللغة الإنجليزية؟! لماذا لا يُنظر إلى خصوصية هذا البلد في لغته وثقافته وعاداته وتراثه، بل ودينه وعمقه الروحي الممتد في جسد الأمة الإسلامية؟! ألم يأت الوقت الذي نفكر فيه بتغيير لغة الدراسة من الإنجليزية إلى العربية حتى تكون اللغة الأم المعتمد عليها رسمياً وشعبياً وثقافياً وعلمياً وفكرياً؟! وهذا يوصلنا إلى النقطة التالية.
والنقطة التالية هي أنه من الخطورة بمكان جعل لغة أخرى كاللغة الإنجليزية هي اللغة الأم وهي لغة الثقافة، نقول: لا ضير من جعلها لغة تواصل أخرى مع العالم، دون أن نخدش أي جانب من جوانب لغتنا العربية العظيمة، لقد حدثتني إحدى المتخصصات الأجنبيات يوماً متعجبةً من التغيير الهائل في التربية والتعليم والاهتمام المنقطع النظير باللغة الإنجليزية، وتقول: كيف تكون لغة التدريس هي اللغة الإنجليزية في بلدكم العربي؟! يجب عليكم الحفاظ على لغتكم العربية، والاهتمام باللغة الإنجليزية كلغة تواصل وتخاطب مع غيركم في محيط مجتمعكم أو العالم الخارجي، وهذا يدفعني في هذا الحديث المتشعب إلى النقطة التالية.
والنقطة التالية هي أن التجربة التي مرت عبر سنوات ماضية أظهرت نتائج عجيبة جداً، لقد حدثني الكثير من أساتذة جامعة الإمارات العربية الذين فُرض عليهم التدريس باللغة الإنجليزية عن أحوال الطلبة المريرة، فلا تسأل عن مستوى اللغة، ولا تسأل عن مستوى الفهم، ولا تسأل عن مستوى التعبير والأسلوب، باختصار: إنه أسلوب يندى له الجبين، فلا تعدُ المسألة: الحفظ المركز لبعض الألفاظ ثم كتابتها أو التحدث بها، إنه هدر للوقت والقدرات والطاقات، وأما أنا شخصياً فلي تجربة شخصية مع طالبات وعلاقتهن باللغة الإنجليزية، وأقول: لا تسأل عن مستوى الأداء والتعبير، فسوف تضحك كثيراً، بل ربما يخيل إليك أنك تقرأ لكتابات في الابتدائية لا مستوى علمي راق كالجامعة.
ختاماً، نود أن نوجه رسالة إلى المسؤولين وصناع القرار في دولتنا العظيمة: إننا أيها السادة حفظكم الله ورعاكم ننتظر تلك الخطوة المتقدمة التي ترجع الأمور إلى نصابها، إننا نطمح منكم الرحمة لهذه الأجيال التي أضاعت لغتها العربية وأخفقت في الإنجليزية أيضاً، رحماكم أيها السادة بهذه الأجيال الصاعدة، فهي الأمانة، والمجتمع بثقافته وفكره أمانة في أعناقنا، وأما اللغة العربية فلا بد من إعادة النظر في طرائق تدريسها وتعزيز كفاءتها لدى المدرسين والطلاب على حد سواء، ولا نغفل جانب اللغة الإنجليزية فنقول: من المذهل حقاً أن يمضي الطالب اثنتي عشرة سنة في دراسة اللغة الإنجليزية ثم يأتي إلى الجامعة لكي يبدأ من الحروف الأبجدية الأولى، وأخيراً نقول: اللغة العربية أولاً، ثم لتأتي أي لغة أخرى.