العدل .. التحدي الكبير بقلم : د.عبد الحي الهاشمي

 

صناعة الحياة

العدل .. التحدي الكبير

خلق الله عز وجل أمماً وشعوباً مختلفة سواء من حيث الأعراف أو العقائد أو الثقافات، وكان من حكمة الله تعالى أن أوكل إلى البشرية جمعاء عمارة هذه الحياة الدنيا، ثم أدى الاختلاف القائم إلى تضارب في المصالح واختلاف في المشارب والأهواء، وكان لزاماً على البشرية أن تلتقي سلماً أو حرباً. من كان هناك تحدٍ كبير أمام البشرية، إنه العدل، وسوف أركز الحديث حول عالمين مختلفين، العالم الإسلامي والعالم الغربي.

بيننا نحن العالم الإسلامي وبين العالم الغربي علاقات قديمة، مرت خلالها بتجارب مريرة وأخرى حميدة، ذاق الطرفان فيها مرارة العلقم، واستمتعوا بحلاوة الشهد، والتحدي الكبير الذي يطل علينا جميعاً هو العدل، فكيف تكون النظرة المتبادلة بيننا وبينهم؟ وما الأساس الذي نبني فيه علاقتنا الآنية أو المستقبلية أو حتى ما سبق علينا جميعاً من سالف الأزمان؟ وكيف يمكن أن ننشئ أموراً احترازية تحفظنا من كل شر مستطير، وتقربنا من كل خير مستنير، إنه العدل.

إن العدل هو الأساس المكين الذي يحفظ للغرب المسيحي- على رغم اختلاف دينه وثقافته وحضارته- حقوقه بيننا، ليس الاختلاف الكائن بيننا مدعاة لنبذ كل ما ينتج عنهم؛ إننا يمكن أن نستفيد من كافة النواحي التي توصلوا إليها، سواء كانت بأيديهم أو بأيدي آخرين، فمن السياسة نستفيد، ومن النواحي الاقتصادية والعلمية والثقافية والعلوم النفسية والرياضة والفن... يمكننا أن نجني فوائد عظيمة، إننا مدعوون أن نقول للغرب أحسنت فيما يحسن فيه، وأن نأخذ منه الإحسان، كقدرتنا على انتقاده وتبيان مكامن جهله وعنجهيته وبطشه وظلمه وصلفه، إن الاعتراف بخطوات التقدم والخير والإنجاز لا يعني أبداً أن نغض الطرف عن انحرافه عن الطريق المستقيم، وفي الوقت نفسه، فإن انحرافه وظلمه لنا لا يعني أن نغمض أعيننا عن إنجازاته، إن التحدي الكبير الذي يظهر لنا هو التحدي فيما نتعامل به معهم، إننا مدعوون لأن نفرق بين مواقف رجالاتهم ومؤسساتهم وشعوبهم ودولهم، فلا نجمعهم في صف واحد، ليس كافياً أن تعرف الشر من الخير، بل أن تعرف شر الشرّيْن وخير الخيرين.

وفي المقابل فإن العالم الغربي مدعو للإنصاف في نظرته إلى العالم الإسلام، فالفوائد التي يجنيها كل حين من هذا العالم الكبير، تدعوه للنظر في مواقفه، إنه مدعو للإنصاف نحو هذا العالم، فليس عدلاً أن يعمم كل تصرف يخالف العقل والأخلاق على جميع الأفراد، وليس عدلاً أن يتوارى فلا ينبس ببنت شفة في الصدع بالحق. إن ما يتراءى له من تصرفات هنا أو هناك تبتعد فيها عن مواطن العدل توجب عليه التروي وعدم الاستعجال في رمي الأمة بأحكام مسبقة لا تنبني على العقل والأخلاق والإنصاف، فلربما كان مظلوما وإن جاء خصمه باكياً أولاً، ومن العدل كذلك أن يهب لدحر الظلم، وقد أوتي مجامع القوة، عن من وقع عليه ظلم الأقربين أو ما سواهم أو حتى من نفسه، إن ما يصرح به الغرب من الديمقراطية تدعوه إلى النظر في نتائج الديمقراطية التي قد لا تأتي على هواه، وهو النادر. إن الغرب مدعو لنصرة الحق أينما كان، ومدعو قبل كل شي لتحقيق العدل في نظرته وتعامله واستحسانه واستهجانه وقربه وبعده، إن العالم الإسلامي ليس مجرد بضعة أشخاص يتولون السيادة هنا وهناك، إنه عالم عظيم من الأعراق والألوان ينضوون تحت دين واحد، إنه مدعو لحفظ حقوق العالم الإسلامي من أبنائه – أي العالم الغربي- الباغين الذي يعيثون في الأرض فساداً.

ختاماً، فإن العدل لا يمكن أن يأتي إلا بالخير والنفع العام للبشرية جمعاء، إن العدل الحق يوازي العدل الإلهي الذي تنادي به الشرائع السماوية والحكم الإنسانية، العدل مع الجميع فيما اتفق أو ما اختلف، وحين يكون العدل تكون الحرية، وحينها فلن تجد البشرية ما يحجزها عن الحق الرباني، وعن الهدى الرباني العظيم، فيأتون طوعاً لا كراهية إلى رب العالمين.

 

مجلة حطة © كل الحقوق محفوظة

الرجاء ذكر اسم المجلة واسم الكاتب في حالة نقل هذا المقال